رسيني الرسيني
لا تخلو الأخبار الاقتصادية عمن سيتولى رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة، والحديث عن خلفيته الاقتصادية، ونظرته للتضخم، وتاريخ عمله ومقابلاته السابقة، إذ لم تعد السياسة النقدية الأمريكية شأنًا محليًا بحتًا. فقرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تمتد آثارها إلى مختلف دول العالم، من خلال حركة رؤوس الأموال، وتقلبات العملات، وكلفة الديون الدولية، حيث يؤدي رفع الفائدة الأمريكية غالبًا إلى خروج الأموال من الأسواق الناشئة، وضغوط على عملاتها، وارتفاع أعباء خدمة ديونها، في حين أن خفضها يمنح تلك الاقتصادات متنفسًا مؤقتًا. ويأتي السؤال هنا متى يجب أن ترفع الفائدة ومتى تخفض، وماذا سيحدث في الحالتين؟
عندما ترتفع معدلات التضخم وتفقد العملة جزءًا من قوتها الشرائية، تلجأ البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة كخيار صعب لكنه ضروري. فارتفاع الفائدة يجعل الاقتراض أكثر كلفة، ما يؤدي إلى تراجع الاستهلاك والاستثمار، وبالتالي تهدئة الطلب وكبح التضخم. إلا أن لهذا القرار ثمنًا واضحًا، إذ يتباطأ النمو الاقتصادي، وتتراجع أسواق الأسهم، وتتعرض بعض القطاعات الحساسة للتمويل - كالعقار والصناعة - لضغوط مباشرة. وفي المقابل، تستفيد العملة المحلية من هذا القرار عبر ارتفاع قيمتها، مع تدفق رؤوس الأموال الباحثة عن العائد الأعلى. لذا فإن رفع الفائدة يشبه استخدام المكابح في سيارة تسير بسرعة عالية: ضروري لتجنب الخطر، لكنه يقلل من سرعة الوصول.
في المقابل، تلجأ البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة عندما يمر الاقتصاد بحالة تباطؤ أو ركود، أو ترتفع معدلات البطالة. فالفائدة المنخفضة تشجع على الاقتراض، وتدفع الشركات إلى التوسع، وتحفز الأفراد على الاستهلاك، ما يعيد النشاط إلى عجلة الاقتصاد. وغالبًا ما تنعكس هذه السياسة إيجابًا على أسواق الأسهم والعقار، وترفع شهية المخاطرة لدى المستثمرين. إلا أن الوجه الآخر لهذا القرار يكمن في مخاطره، إذ قد يؤدي الإفراط في التيسير النقدي إلى تضخم مفرط أو فقاعات مالية يصعب احتواؤها لاحقًا. ولهذا فإن خفض الفائدة يشبه ضخ الوقود في محرك متوقف: يعيده للعمل، لكن الإفراط قد يؤدي إلى احتراقه.
من الناحية العملية، لا تتحرك أسعار الفائدة الأمريكية في إطار محلي ضيق، بل ضمن منظومة اقتصادية عالمية مترابطة، إذ تميل العديد من البنوك المركزية العالمية إلى اتباع نهج الاحتياطي الفيدرالي صعودًا أو هبوطًا. فالاقتصادات مترابطة عبر تدفقات رؤوس الأموال والتجارة والديون المقومة بالدولار.
وعندما يرفع الفيدرالي الفائدة، تجد بنوكا أخرى نفسها مضطرة للرفع لحماية عملاتها من التراجع، والحد من خروج الاستثمارات نحو الدولار ذي العائد الأعلى. أما عند خفضها، فإن الإبقاء على فائدة مرتفعة قد يخنق النمو المحلي. هذا السلوك يعكس السعي لتحقيق توازن دقيق بين استقرار العملة، والسيطرة على التضخم، ودعم النمو في عالم شديد الترابط.
حسنًا، ثم ماذا؟
رفع الفائدة دواء مُر ضروري لكبح التضخم، أما خفضها منشّط اقتصادي خطر إن أُسيء استخدامه، والنجاح الحقيقي في السياسة النقدية هو توقيت القرار لا القرار نفسه.