صالح الشادي
ما زلت أتذكر رحلتي خلال مرحلة الدكتوراه حين كنت شاباً متحمساً أدرس تاريخ الفكر السياسي وآلية التحليل، وكيف كانت تلك الرحلة تكشف لي شيئاً فشيئاً، أن ما كنت أظنه علماً سهلاً واضح المعالم هو في الحقيقة محيط من الأسئلة اللامتناهية. لم يكن الأمر أبداً كما تتصوره العقول السريعة اليوم: قراءة عناوين، ربط سطحي، ثم إطلاق أحكام تُقدَّم كحقائق. كلا. لقد كان مساراً شاقاً يمتد كالشجرة: جذور تغوص عميقاً في تاريخ المشكلة، وجذع قائم في واقعها المعقد، وفروع تمتد في احتمالات مستقبلها. ثم تأتي تلك الخطوة الأشق: قطف الثمرة الواحدة بعد تمحيص، ووزنها بميزان منهجي صارم، وعرضها بتواضع الباحث الذي يعرف أن قوله: «قد تصيب وقد لا تصيب» هو جزء من أمانته العلمية.
لكن الإعلام العربي بكافة أشكاله اليوم قرر اختصار هذه الرحلة الطويلة إلى نقرة إصبع. لقد انقلبت المعادلة: فما كان يتطلب سنوات من التخصص الأكاديمي أو الخبرة الميدانية أصبح الآن متاحاً لكل من هبَّ ودبَّّ. تحول التحليل السياسي، في عيون كثيرين، إلى رياضة عقلية مسلية، أو سلعة رأي رائجة، أو حتى وسيلة لتحقيق الشهرة والدراهم. وظهرت على الساحة فئة «المحلِّلين الجميلين» الذين يغلفون العاطفة الجيَّاشة أو المصالح الضيِّقة بقالب من الثقة المطلقة، وينثرون آراءهم كمن ينثر الحَب، دون اكتراث بما قد ينبت منه.
في المقابل، هناك جمهور آخر: أولئك المسافرون بين العناوين في الفضائيات، والمناقشون المتحمسون في المجالس، والمعلقون على ناصيات الشوارع. البعض يتكلم من غير دراية، والآخرون يتكلمون عن دراية لكن بلا رأي أصيل، وكأنهم أصداء متنقلة لصوت لا يعرفون مصدره.
في هذه الزحمة من الأصوات والتحليلات الفورية، ضاع الفرق الجوهري بين الانطباع العاطفي والرأي المدروس، بين الصدى والصوت الأصيل.
أتذكر حين كنت أغوص في أعماق القضايا الدولية خلال دراستي، وأنا أقف متدرباً أمام زملائي وأساتذتنا الكبار كيف بدأت أتعلم أن قيمة التحليل الحقيقي تكمن في قدرته على كشف طبقات الواقع الخفية، وربط المفكك، واستشراف الآتي من خلال فهم الماضي والحاضر. إنه ذلك الفن الرفيع الذي يمنح صاحب الشأن البصيرة، ويمنح المتابع الفهم، ويساهم في تشكيل الوعي الجمعي الأكثر رصانة. واكتشفت أنه، باختصار، محاولة جادة لفهم العالم كما هو، لا كما نتمنى أو نخاف أن يكون.
لكنني، وفي خضم هذا الانبهار بمفهوم التحليل وفوائده، أجد نفسي أتساءل: أليس من المفارقات أن نستثمر كل هذا الجهد العقلي في تحليل صراعات بعيدة، بينما نغفل أبسط أشكال التحليل وأكثرها ضرورة لحياتنا؟ نعم، أقصد تحليل الدم، والدهون، والكوليسترول، وتلك المؤشرات الحيوية التي تحمل بين سطور تقاريرها الطبية نبض حياتنا ذاتها. فما قيمة كل فهمنا لتعقيدات السياسة الدولية إذا غاب عنا فهم تعقيدات أجسادنا؟ وما فائدة قدرتنا على تحليل أزمات العالم إذا عجزنا عن تحليل الأزمة الصحية الصامتة التي قد تنمو في داخلنا؟
لقد علمتني سنوات البحث الأكاديمي أن التواضع شرط المعرفة الحقيقية. وشاء الله لي أن أتعلم من ضجيج العالم الافتراضي درساً آخر: ربما تكون أولى خطوات الحكمة هي معرفة أي الأشياء تستحق التحليل حقاً. فقبل أن نطلق العنان لعقولنا لتحليل العالم، علينا أن نمتلك الشجاعة لتحليل أنفسنا أولاً. فالصحة، في نهاية المطاف، هي الركيزة التي تنطلق منها كل طموحاتنا الفكرية، وهي السياق الوحيد الذي يمنح كل تحليلاتنا معناها الحقيقي.