م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - الحداثة الغربية غزت كل شيء في حياتنا، فلا شيء نتحرك به أو نتصل من خلاله أو نمارس حياتنا اليومية بواسطته إلا وحداثة الغرب هي وسيلته.. ليس ذلك وحسب، بل إن حداثة الغرب شكلت مفاهيمنا، وأطَّرت مداركنا، وغزت الكثير من قيمنا، وأثَّرت في عاداتنا وتقاليدنا.. هذا التغلغل للحداثة الغربية في الثقافة والحياة اليومية للمجتمعات الشرقية تم فرضاً أو اختراقاً أو اقتباساً أو استفادة جاهزة.. ومهما كانت وسيلة ذلك التغلغل إلا أن الخطير في الأمر هو أن المجتمعات الشرقية لم تمر بمرحلة التفكير فيها أو إبداعها أو إنتاجها، ولم تعايش الإرهاصات المصاحبة لها، وهذا ولَّد حالة من الفجوة بين المعرفة والتطبيق.
2 - المشكلة أن الحداثة الغربية إذا تم تطبيقها دون وعي وفهم تكون لها نتائج عكسية خطيرة لأنها تعمي بدلاً من أن تنير.. كما أن تطبيق الحداثة الغربية المكتسبة بأي وسيلة كانت ولم تنشأ من داخل المجتمع ذاته تقع في فخ أن تصبح مطبوعة بالفكر التراثي السابق المتأصل في ذلك المجتمع قبل دخول الثقافة الغربية، فتظهر الحداثة الغربية في البيئة الشرقية هجينة ضعيفة بفهم مشوه وتطبيق انتقائي منقوص، وتكتفي بالتركيز على السطح ويظهر أثرها في العلاقات الاجتماعية فقط.
3 - روح الحداثة الغربية تُغَلِّب الفردانية مقابل الروح الجماعية التي تطغى على الثقافات الشرقية.. إضافة إلى أن الثقافات الشرقية يطغى عليها قبول المسلمات بلا وعي بوصفها هوية أمة وثقافة مجتمع لا يجوز المس بها، وهو ما ترفضه الثقافة الغربية.. بمعنى أن الثقافة الغربية التي نشأت وتطورت في واقع ثقافي آخر أُخذت للتطبيق في واقع يهيمن عليه الفكر التقليدي المستند إلى عقائد غيبية ثابتة لا يجوز المساس بها، وهذا شَكَّل الحداثة الغربية بمفهوم مختلف.. فمهما كانت الفكرة صحيحة إلا أن العادات والتقاليد والعقائد التي نمت وتطورت خلال قرون لا يمكن هدمها فوراً واستبدالها.
4 - من هنا فإن حداثة الغرب تثير قلقاً وجودياً في عقل ووجدان الفرد الشرقي! فيقاوم تلك الحداثة إما بالرجوع إلى الأصول ووصفها بالأصالة، أو أن يتم إضفاء كساء الأخلاق على أي حكم يصدر ضدها، أو أن تُتَّهم حداثة الغرب بأنها نفي لثقافة المجتمع في سبيل نفي الدين الإسلامي ذاته.. كما أن تلك المقاومة لم تكن ذات اتجاه فكري إطلاقاً، بل اتجهت نحو التأليب والتلويث والزور والبهتان ومضايقة وأذية كل من يتفق مع الحداثة الغربية ويرى أنها سبيل من سبل التقدم والتطور والانعتاق من الجهل والتخلف.