أحمد بن محمد الغامدي
لم تكن «القوة الناعمة» يوماً مجرد مصطلح أكاديمي في أروقة السياسة، بل هي فن صناعة الصورة الذهنية وترسيخ الحضور الثقافي في وجدان الشعوب، وفي وطننا الحبيب تجسدت هذه القوة في أبهى صورها من خلال قطاع الترفيه، الذي تحول تحت قيادة معالي المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، من فعاليات موسمية إلى صناعة استراتيجية كبرى، أعادت تعريف دور المملكة الريادي، وجعلت من الرياض «بيت الفن العربي» ومنصة الإبهار العالمي الأولى.
تكمن عبقرية «أبو ناصر» في ذلك المزيج النادر بين الحزم الإداري الصارم والخيال الفني الواسع، فبينما يمتلك «عين المسؤول» التي تلاحق الجودة والسرعة والنتائج الملموسة على أرض الواقع، يمتلك في المقابل «روح الفنان» التي تدرك قيمة التفاصيل، وتفهم لغة المبدعين، وتعرف كيف تلمس الوجدان الشعبي، هذا التناغم مكنه من إدارة مشاريع كبرى بجرأة غير مسبوقة، محطماً البيروقراطية التقليدية لصالح «الإنجاز اللحظي».
الإرث الحقيقي الذي يصنعه آل الشيخ يتجسد في مفهوم «التمكين الثقافي» فهو لم يكتفِ باستيراد العروض، بل مهد الطريق لجيل كامل من الشباب السعودي للعمل في قطاعات التكنولوجيا، التنظيم، والإنتاج السينمائي والمسرحي، ونقل المجتمع من مقعد «المشاهد» إلى منصة «الصانع»، مؤكداً أن الاستثمار في الإنسان هو جوهر رؤية السعودية المستقبلية.
بصمة «أبو ناصر» في الفن العربي لم تكن عابرة؛ فقد نجح في تسخير الترفيه كأداة لإحياء تراث الأغنية العربية وترميم أرشيفها الفني الذي كاد يطويه النسيان، ولعل الخطوة الأكثر وفاءً وتأثيراً هي إقامة مسارح كبرى تحمل أسماء فنانين عرب خالدين، في رسالة تقدير واعتزاز لم تعهدها المنطقة من قبل، مثل مسرح محمد عبده أرينا، مسرح بكر الشدي، مسرح محمد العلي، مسرح أبو بكر سالم، ومسرح المفتاحة (طلال مداح).
نجح مهندس «القوة الناعمة» أن بجعل من الرياض منصة لتكريم رموز الفن العربي في حياتهم، أو الذين رحلوا عن عالمنا، فقد شهد موسم الرياض خلال العام الجاري تكريم صاحب فكرة المتحف المصري الفنان التشكيلي فاروق حسني وزير الثقافة السابق، مثلما تم تكريم أم كلثوم وفيروز وصباح فخري وعبد الحليم حافظ وغيرهم في السنوات الماضية، محولاً العاصمة إلى «ملاذ» للمبدعين والمثقفين، وهو الحراك الذي أعاد البريق للإنتاجات السينمائية والمسرحية الكبرى، حيث باتت الحفلات الموسيقية التي تُقام في المملكة معياراً للجودة والاحترافية العالمية، مما أعاد الروح لقطاعات فنية كانت تعاني من الركود لسنوات طويلة.
استطاع بذكائه وحنكته المعهودة كسر القواعد التقليدية واستقطاب فعاليات كانت حصراً على عواصم محدودة في العالم، فباتت المملكة المحطة الرئيسية للمصارعة العالمية (WWE) ونزالات الملاكمة التاريخية التي جذبت أنظار المليارات خلف الشاشات، وأقام فعاليات تشهدها المنطقة للمرة الأولى مثل عروض لاس فيغاس ومسارح برودواي التي نقلت التجربة العالمية إلى قلب «بوليفارد سيتي»، ونزالات الملاكمة التاريخية مثل «أشرس رجل على وجه الأرض»، التي جعلت أنظار العالم بأسره تتجه نحو الرياض.
قاد معالي المستشار تركي ال الشيخ قطاع الترفيه لتحقيق طفرة مليونية تاريخية، حيث وصل عدد الحضور خلال عام 2025 وحده إلى 89.1 مليون زائر، في إقبال هائل يعكس نجاح الاستراتيجية التي نُفذت عبر أكثر من 1600 فعالية متنوعة، وأصبح «موسم الرياض» الجوهرة في عقد هذه المنجزات، فهو ليس مجرد كرنفال، بل هو رسالة السعودية الحضارية للعالم، ولعل ما حدث في ليلة «صناع الترفيه» التي أبهرت العالم كله، خير شاهد على ذلك.
أثبت «أبو ناصر» أن القوة الناعمة هي الأداة الأقوى لإيصال رسالة السعودية للعالم؛ رسالة سلام، وبناء، ومستقبل مشرق، واليوم، حين يُذكر الإبداع في الشرق الأوسط، فإن البوصلة تشير حتماً نحو الرياض، حيث يُصنع التاريخ وتُصاغ الأحلام بيديّ مهندس لا يعرف المستحيل.
في الختام، يظل تركي آل الشيخ نموذجاً للمسؤول الذي لم يكتفِ بإدارة هيئة حكومية، بل جسّد روحها، حيث نجح في مزج «الحزم بالخيال» وقدّم درساً في الإدارة الحديثة؛ مفاده أن الإبداع حين يتكئ على إرادة سياسية صلبة وإدارة تنفيذية حازمة، يمكنه أن يصنع المعجزات، واليوم، لم يعد الترفيه في السعودية بقيادة أبو ناصر مجرد حدث عابر، بل أصبح لغة عالمية تتحدث بها الرياض مع العالم، مؤكدة أن القادم ليس مجرد مواسم، بل هو عصر سعودي جديد يفيض بالقوة، ويبهر بالإبداع، ويقود بالريادة.»