أ.د. يحيى بن محمد شيخ أبو الخير
يؤكد بعض من علماء الفيزياء المعاصرين ومن أبرزهم براين جرين (Brian Greene) في كتابيه الكون الأنيق (The Elegant Universe,1999) ونسيج الكون (The Fabric of The Cosmos, 2004) أن تموضع الظواهر الكونية يكون مقيداً زمكانياً بنطاقات فيزيوزمنية آنية ذات طابع شرائحي نسبي. ووفقا لهذا التصور يُقَطّعُ الزمكان، بوصفه بنية رباعية الأبعاد، تقطيعاً هندسياً مجازياً إلى شرائح آنية (Now Slices)، على نحو يشبه تقطيع الخبز مزدوج الطبقات، بحيث تمثل كل شريحة مجموعة من الأحداث المتزامنة بالنسبة إلى مراقب بعينه، أو تمثل ببساطة كل ما يحدث في الكون في لحظة زمنية معينة تسمَّى (الآن).
وتكون هذه الشرائح مستقيمة الزوايا في حالة سكون المراقبين بعضهم بالنسبة إلى بعض بينما تميل وتختلف زواياها في حالة الحركة النسبية أي عندما يتحرك أحد المراقبين بالنسبة إلى الآخر. ويعكس هذا الميل الهندسي مباشرة مبدأ نسبية التزامن الذي صاغه ألبرت إنشتاين (Einstein, 1905) في إطار النسبية الخاصة. وبهذا المعنى لا يُنظر إلى «الآن» بوصفه لحظة فيزيوكونية مطلقة مشتركة، بل باعتباره توصيفاً إحداثياً يعتمد في رأيي على الإطار المرجعي الفيزيو-انطولوجي للمراقب. وبناء على ذلك، تمثل كل شريحة آنية مقطعا زمكانيا يضم أحداثا تعد متزامنة ضمن إطار مرجعي محدد دون أن يستلزم ذلك أي تطابق مع الشرائح الآنية الخاصة بمراقبين آخرين يتحركون بسرعات مختلفة.
ولذا تختلف أسطح التزامن من مراقب إلى آخر، لا بسبب اختلافٍ في الوقائع الفيزيو-انطولوجية ذاتها، بل نتيجة لاختلاف البنية الهندسية للزمكان كما تُحدِّدها تحويلات لورنتس (Rindler, 2006). ففي حالة سكون المراقبين بعضهم بالنسبة إلى بعض، تتوافق أسطح التزامن، وينشأ توصيف مشترك للحاضر، ويتفق المراقبون على ترتيب الأحداث الزمنية. أما في حالة الحركة النسبية، فإن ميل الشرائح الآنية يؤدي إلى اختلاف توصيف التزامن ذاته، من غير أن يمسّ ذلك البنية السببية للأحداث أو ترتيبها الفيزيو-انطولوجي الحتمي، ويظل انتظام العلاقات السببية محفوظاً داخل مخاريط الضوء بحيث لا يفضي اختلاف أسطح التزامن إلى أي خرق للبنية العلية الحتمية العامة للزمكان (Rindler, 2006). ومن المهم التنبيه هنا إلى أن الحتمية المقصودة في هذا السياق ليست الحتميةً الديناميكيةً الصارمة بالمعنى الكلاسيكي الذي يستبعد كل أشكال اللاتعيّن الكمّي، بل حتميةً فيزيو-أنطولوجيةً بنيويةً، مفادها أن الأحداث، مهما بدا توصيفها الاحتمالي على المستوى الأبستمولوجي، تظل مندمجة داخل بنية زمكانية رباعية الأبعاد ذات انتظام سببي غير قابل للاختراق. وبذلك لا يتيح اختلاف الأطر المرجعية أو توصيفات الرصد أي إمكانية للتأثير الراجع التغذية أو للتفاعل الفيزيو- وجودي مع أحداث تقع خارج المجال السببي للمراقب (Maudlin, 2012).
تفصيلاً لما سبق ذكره آنفاً، يمكن القول إن حالة سكون المراقبين تقتضي تقطيعاً مستقيماً للزمكان ينتج عنه تحديد شريحة آنية تمثل لحظة «الآن» بالنسبة لمراقب ساكن على ذات خط التزامن. ونتيجة لهذا التوافق الهندسي يشترك جميع المراقِبِين الساكنين في الآن الزمنى نفسه، ويتفقون على ترتيب الأحداث التي تقع ضمن تلك الشريحة.
وفي مثل هذه الحالة لا يكون من الممكن للمراقبين رصد أحداث الماضي أو كشف أحداث المستقبل إذ يتجه الزمن بالنسبة إليهم من الماضي إلى المستقبل على نحو أحادي الاتجاه. غير أن هذا الوضع يختلف جذرياً في حالة الحركة النسبية، فعندما يتحرك أحد المراقبين بالنسبة إلى غيره يختلف توصيفه الآني للأحداث تبعا لاختلاف زوايا تقطيع الزمكان وميل تلك الزوايا واتساعها بحسب سرعته. وبذلك يصبح لكل مراقب «حاضره» النسبي المحدد بسطح تزامنه الخاص، وينتفي وجود حاضر كوني مطلق واحد. ويغدو ميل الشريحة الآنية في هذه الحالة البصمة الهندسية للحركة النسبية للمراقب داخل كتلة الزمكان (Minkowski, 1908). ولا ينطوي هذا التعدد في الحواضِر على أي تناقض معرفيٍ أو فيزيائيٍ، بل يُعد نتيجة مباشرة للبنية الرياضية للنسبية الخاصة. كما أن اختلاف التقطيع الزمكاني لا يعني أن المراقب المتحرك يرى أو يرصد أحداث الماضي أو المستقبل بمعناها الفيزيائي المباشر، بل يعني على نحو أدق أن بعض الأحداث التي توصف بأنها ماضية أو مستقبلية ضمن إطار مرجعي ساكن قد تدرج إحداثياً ضمن الشريحة الآنية الخاصة بمراقب متحرك.
ويظل هذا الإدراج توصيفاً رياضياً صرفاً، لا يترتب عليه أي إمكانية للرصد أو التفاعل الفيزيائي (Savitt, 2000). ويتضح مما سبق أن لكل مراقب طريقته الخاصة في تقطيع كتلة الزمكان مجازياً الى شرائح آنية تميل زواياها زمكانيا بحسب سرعته بحيث يغدو ميل الشريحة، كما أشرت آنفاً، رمزا لسرعته وبصمة لحركته في الفضاء. ولا يستغرب تبعاً لذلك أن يقع حدث في «مستقبل» مراقب ما داخل شريحة «حاضر» مراقب آخر أو ماضيه، وهو ما يدعم تصور «كتلة الزمكان» الذي يرى، وفقاً لبراين، أن الماضي والحاضر والمستقبل وحدات فيزيوزمنية حقيقية موجودة بالفعل بالكامل وبنفس الدرجة من الواقعية في البنية الكونية الرباعية الأبعاد (Greene, 2004).
وتبرز هنا المفارقة الفيزيو-انطولوجية التي تفيد بأن ماضي مراقب ما قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى غيره وأن مستقبله قد يندرج آنياً أيضاً ضمن توصيف حاضر مراقب آخر دون أن ينطوي ذلك على اي تناقض فيزيائي او سببي (Dieks, 2006). وفي مثل هذه الحالات ينتفي إمكان الاتفاق على آنٍ كوني مطلق مشترك ويغدو لكل مراقب آنه الخاص به (Greene, 2004).
وفي الختام، يضع هذا التصور الزمكاني الفيزيو-انطولوجي نفسه في صميم الجدل المعاصر المتعلق بطبيعة الزمن وأنطولوجيا وجوده. ويتجلى هذا الجدل بوجه خاص بين أنصار تصور كتلة الزمكان «Space-Time Block» ومؤيدي الحاضرية «Presentism» والداعمين لأنموذج الكتلة المتنامية «Growing Block». فأنصار «كتلة الزمكان « المتأثرون بنسبية أينشتاين والتفسير الهندسي عند مينكوفسكي (Minkowski, 1908)، يرون أن الماضي والحاضر والمستقبل متكافئة وجودياً داخل البنية الزمكانية الرباعية الابعاد، وأن الإحساس بتدفّق الزمن ليس سوى ظاهرة إدراكية مرتبطة ببنية الوعي الإنساني (Callender, 2011). ويستمد هذا الموقف دعمه الفيزيائي الأقوى من مبدأ نسبية التزامن، الذي يقوّض فكرة وجود «الآن» الكوني المطلق. وفي المقابل، يتمسك مؤيدو «الحاضرية» كما صاغها آرثر بريور في مؤلفه الماضي، الحاضر، والمستقبل (Prior, 1967) بالقول إن الوجودٍ الحقيقيٍ يقتصر على اللحظة الحاضرة وحدها. غير أن هذا الموقف يواجه عند إسقاطه على فضاء زمن لورنتس، صعوبات فيزيائية وفلسفية عميقة، إذ يصبح مفهوم «الحاضر» ذاته غير قابل للتعيين بوصفه بنية فيزيو-أنطولوجية ثابتة وهو ما يقوّض الادعاء القائل بأولوية وجودية مطلقة للحاضر. أما أنصار أنموذج «الكتلة المتنامية» المتأثرون بأعمال ويليام لين (Lane, 2001)، فيتبنون تصورًا توفيقيًا يرى أن الماضي والحاضر موجودان فعليًا، بينما يظل المستقبل غير متحقق بعد. ولا شك أن هذا الأنموذج يواجه بدوره هو الآخر إشكاليات أنطولوجية ومعرفية تتعلق، في ضوء نسبية التزامن، بتحديد الحد الفاصل بين الموجود وغير الموجود داخل البنية الزمكانية الرباعية الأبعاد. وهكذا تكشف الشرائح الفيزيوزمنية الآنية النسبوية أن الزمن ليس مجرد بُعد فيزيائي محايد، بل مفهوم تتقاطع فيه الفيزياء والميتافيزيقا، وتتشابك فيه البنية الرياضية مع وأسئلة الوجود والمعرفة. ولئن كانت الفيزياء المعاصرة عاجزة عن حسم هذا الجدل الانطولوجي حسما نهائياً، فإنها تفرض بلا شك، قيودًا صارمة على ما يمكن الدفاع عنه فلسفيًا، تاركةً طبيعة الزمن مسألة مفتوحة عند تخوم المعرفة والفلسفة وانطولوجيا الوجود.
قائمة المراجع
Callender, Craig. ,(2011), What Makes Time Special? Oxford: Oxford University Press.
Craig, William Lane, (2001), Time and the Metaphysics of Relativity, Dordrecht, Kluwer Academic Publishers.
Dieks, Dennis. (2006). «Becoming, Relativity and Locality.» In The Ontology of Spacetime, edited by Dennis Dieks, 157–176. Amsterdam: Elsevier.
Einstein, Albert. (1905). «On the Electrodynamics of Moving Bodies.» Annalen der Physik 17: 891–921. ترجم إلى اللغة الإنجليزية فيما بعد
Greene, Brian. (1999). The Elegant Universe: Superstrings, Hidden Dimensions, and the Quest for the Ultimate Theory. New York: W. W. Norton الجزيرة Company.
Greene, Brian. (2004). The Fabric of the Cosmos: Space, Time, and the Texture of Reality. New York: Alfred A. Knopf.
Maudlin, Tim. (2012). Philosophy of Physics: Space and Time. Princeton: Princeton University Press.
Minkowski, Hermann. (1908). «Space and Time.» In The Principle of Relativity, translated by W. Perrett and G. B. Jeffery, 75–91. New York: Dover Publications, 1952.
Prior, Arthur N. (1967). Past, Present and Future. Oxford: Clarendon Press.
Rindler, Wolfgang. (2006). Relativity: Special, General, and Cosmological (2nd ed.). Oxford: Oxford University Press.
Savitt, Steven F. (2000). «There’s No Time Like the Present (in Minkowski Spacetime).» Philosophy of Science 67 (Supplement): S563–S574