د. أحمد محمد القزعل
هناك كلمات تمرّ بنا كما تمرّ الريح لا توقظ فينا شيئاً، وهناك كلمات إذا مسّت القلب أنبتت فيه حياةً جديدة كأنها قطرة ندى تسقي روحاً عطشى، ولعل الكلمة ليست صوتاً يُقال وينتهي بل هي روح تنفخ في الأرواح وتصنع الوعي وتوقظ الضمير وتزرع في القلوب بذور الخير أو الشر.
حين ننطق بالكلمة الطيبة، كأننا نمنح من حولنا ألواناً من الأمل نلوّن بها رماد الأيام، وحين تخرج الكلمة من قلب صادق فإنها لا تُسمَع بالأذن بل تُحَسّ بالروح، فالكلمة قد تُرمّم إنساناً محطماً، وقد تُقيم طفلاً من انكساره، وقد تزرع في تلميذ حائر شجرة حلم جديدة.
الكلمات التي نحبها نُعطيها لوناً من أرواحنا، وحين نُهديها للآخرين نُهدِيهم قطعة من نورنا، وهكذا فكل كلمة صادقة تُقال في وقتها، تُنبت إنساناً جديداً فينا وفي من يسمعها.
حين نتأمل في أولى كلمات الطفل، ندرك أن الكلمة ليست تعبيراً فحسب، بل انبثاق وجود داخليّ نحو العالم، فالطفل حين يقول: أمّي للمرة الأولى، لا ينطق كلمة بل يعلن انتماءه للحبّ، وهكذا نحن جميعاً، فالكلمات التي نقولها تعبّر عن أرواحنا قبل أفكارنا.
حين نتحدث نحن نلوّن العالم من حولنا، نرسم في قلوب الناس لوحات من النور أو العتمة، فالكلمة الطيبة لونها أخضر كالأمل، والكلمة الصادقة بيضاء كالصفاء، والكلمة المؤذية سوداء كالليل الثقيل، إن التربية بالكلمة الملونة بالمشاعر هي التربية التي تُوقظ الجانب الإنسانيّ في الطفل، وحين نُعلّم أبناءنا كيف ينطقون بالحبّ قبل الحروف، نخلق أجيالاً تعرف كيف تبني بالكلمة لا كيف تهدم بها.
الكلمة الحانية في البيت تُثمر سلاماً، والكلمة المشجعة في المدرسة تُثمر إبداعاً، والكلمة النقية في المجتمع تُثمر عدلاً ورحمة، هناك كلمات تُشبه النور تلمس الظلام فتكشف الطريق، وحين نقولها بصدق فإننا نمنح الآخرين أرواحاً جديدة يعيشون بها، كم من إنسان كان على وشك الانكسار فسمع كلمة: أنا أؤمن بك، فاستعاد قوته، وكم من طفل ظنّ نفسه بلا قيمة حتى قال له معلمه: وجودك في الصف يجعلنا سعداء، فابتسم وكأن أحدهم أعاده إلى الحياة.
الكلمة التي تخرج من فم صادق، كالنور الذي ينبعث من فجر نديّ، فهي التي تملأ الأرض دفئاً وبهاءً، حين نُحب الكلمات نزرع الحياة في القلوب، ونمنح العالم أرواحاً جديدة.