د. بيان عايد الغراغير
يواجهُ العالم اليوم تحولاتٍ تقنيةً كبرى أعادت طرح الأسئلة الجوهرية حول المهن البشرية، وعلى رأسها مهنة التعليم. ومع التطور المتسارع لابتكارات الذكاء الاصطناعي، برزَ تساؤلٌ يشغل الميدان التربوي: هل سيأتي اليوم الذي تختفي فيه روح التفاعل الإنساني لصالح أنظمةٍ تقنيةٍ جامدة؟
نؤمنُ يقيناً أننا لا نواجه نهاية دور المعلم، بل نقف أمام إعادة تعريفٍ شاملةٍ لهذا الدور. فإذا كان الذكاء الاصطناعي يتفوق ببراعته في معالجة البيانات، فإنه يقف عاجزاً تماماً أمام صناعة المعنى.
يستطيعُ الذكاء الاصطناعي في فصولنا الحديثة أن يحلل أنماط تعلم الطلبة ويقترح أنشطة مخصصة، لكنه يظل أداةً مساندةً لا بديلًا عن المعلم؛ الذي وحده يمتلكُ ذكاءَ التَّواصُلِ الإنسانيِّ لتوجيه سلوك المتعلم، وفهم سياقاته النفسية والوجدانية.
يتحولُ المعلم في العصر الجديد من مجرد مصدرٍ للمعرفة إلى موجهٍ للقيم، وقائدٍ للابتكار، وميسرٍ للعملية التعليمية. فبينما تشرح التقنية قوانين العلوم، يعجزُ الذكاء الاصطناعي عن زرع شغف الاكتشاف أو مشاركة الطالب لحظة تعثرٍ أو نجاح. يكمنُ التحدي الحقيقي اليوم في رفض الاستسلام لنمطية الآلة؛ فالمعلم الذي يركز على بناء التفكير النقدي والذكاء الوجداني، هو الركيزة التي لا يمكن الاستغناء عنها.
تتجلى في السياق العربي أهمية هذا الدور الإنساني بشكل أكبر، حيث يتجاوز التعليم مجرد نقل المحتوى إلى بناء الهوية وتعزيز الانتماء. يُفترضُ بنا هنا ألا نرى في التقنية بديلاً، بل نراها رافداً استراتيجياً يُحسن توظيفه للارتقاء بالإنسان لا اختزاله.
يتشكلُ مستقبل التعليم، ليس عبر الاختيار بين الإنسان أو الآلة، بل من خلال قدرة المربي على توظيف التقنية لخدمة أهدافٍ أسمى. يسخرُ المعلم المستقبلي الأدوات الرقمية لتجاوز المهام التقليدية، ليتفرغ لمهمته الأهم: بناء الإنسان. فالآلةُ قد تمنحنا «الإجابة»، لكن المعلمَ وحده هو من يُلهمنا «السؤال».
ستبقى مهنة التعليم رسالة مستدامة، لأنها تقوم على الاتصال الإنساني العميق. يتأكدُ لنا مع كل تطور تقني أن حاجتنا إلى المعلم الإنسان تزداد، لا كمنافسٍ للآلة، بل كقائدٍ أخلاقيٍ وفكريٍ يوجهها لصناعة المستقبل.