د. عبدالله علي بانخر
لم يكن مطلع عام 2026 مجرد صفحة جديدة في أجندة الدبلوماسية الدولية، بل كان اللحظة التي أعلن فيها البيت الأبيض رسمياً انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة وهيئة دولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية. هذا القرار وضع النظام العالمي الذي تشكل ما بعد الحرب العالمية الثانية في «مهب الريح»، وفتح الباب أمام تساؤلات وجودية حول مصير العمل المتعدد الأطراف.
إن غياب الممول الأكبر واللاعب السياسي الأبرز عن 66 منظمة دولية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو زلزال جيوسياسي يضع هذه المنظمات أمام سيناريوهات قاسية؛ تتراوح ما بين الانهيار الوظيفي بسبب نقص التمويل، أو الارتهان لنفوذ قوى دولية أخرى قد تسعى لتوظيف هذه المنصات لخدمة أجنداتها الخاصة. بيد أن هذا الفراغ «القطبي» يمثل في جوهره فرصة تاريخية للبدء في مرحلة «إعادة هندسة» شاملة لهذه المنظمات، لتصبح أكثر عدالة في تمثيل مصالح الدول النامية والناشئة.
ووسط هذه الأمواج المتلاطمة، تبرز المملكة العربية السعودية كقوة توازن استراتيجية، لا تعتمد فقط على ثقلها السياسي، بل على سجلها الأخلاقي والإنساني الفريد. ففي الوقت الذي قد تتراجع فيه المساعدات الدولية نتيجة الانسحابات الكبرى، تقف المملكة كأكبر داعم إنساني وتنموي على مستوى العالم نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي، بوصفها ذراع الإنسانية ورائدة التنمية العالمية. ويشكل مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، جنباً إلى جنب مع الصندوق السعودي للتنمية، الركيزتين الأساسيتين في هندسة الاستقرار العالمي. فالمملكة لم تكتفِ بضخ المليارات، بل أرست منهجية احترافية في برامج الإعمار والإنماء في أكثر من 100 دولة من منظور أن الإنسانية أولاً، بعيداً عن الأجندات السياسية الضيقة.
هذا الدور الريادي يمنح المملكة «الشرعية الميدانية» لقيادة المنظمات الدولية المتعثرة، حيث أثبتت الرياض أن يدها الممدودة بالبناء والإعمار هي الضمانة الحقيقية لاستمرار السلم المجتمعي والدولي في المناطق الأكثر احتياجاً.
وهنا يبرز بُعد الاتصال الاستراتيجي كأحد أهم أدوات المملكة في هذه المرحلة؛ فلم تعد المملكة تكتفي برد الفعل، بل أصبحت هي من يصنع «الحدث» ويوجه «الرسالة». وتتجلى هذه الريادة في ثلاثة أبعاد:
* إدارة السردية العالمية: تقديم رؤية تتجاوز مفاهيم الهيمنة التقليدية إلى مفاهيم «الشراكة من أجل الاستدامة».
* الاتصال كأداة للإصلاح الهيكلي: الضغط باتجاه حوكمة المنظمات الدولية وتخليصها من الترهل البيروقراطي.
* القوة الناعمة والذكاء الدبلوماسي: تحويل برامج الإغاثة والتنمية إلى جسور من الثقة تجعل من الرياض «صوتاً موثوقاً» قادراً على الحوار مع كافة الأقطاب.
وإن انسحاب واشنطن هو «لحظة الحقيقة» للمنظومات الدولية. وبالنسبة للمملكة، فإن هذه ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي أكبر فرصة استراتيجية لتعزيز دورها كقائد لمحور الاعتدال والإصلاح العالمي.
إن هندسة العالم الجديد تتطلب عقولاً تؤمن بالعمل المشترك، وأيادٍ بيضاء تمتد بالإعمار، وأدوات اتصالية قادرة على بناء جسور الثقة. والمملكة اليوم، بقيادتها الحكيمة، تمتلك الرؤية والإرادة ليس فقط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بل لإعادة بناء هيكل دولي أكثر صموداً وعدلاً، يضمن حماية المصالح العربية والإقليمية في عالم يعاد تشكيله بمداد من الحكمة والاتزان.