باسم سلامة القليطي
ليست أزمة الإنسان المعاصر في ضيق الوقت كما يُشيع، ولا في قسوة الظروف كما يُحب أن يُقنع نفسه، ولا حتى في كثرة المشاغل التي يتذرع بها. الأزمة، في جوهرها، ضعف همة. فالفارق بين من ينجز ومن يراوح مكانه ليس عدد الساعات ولا وفرة الفرص، بل زاوية النظر إلى الحياة ذاتها: أهي مجرد محطة عبور نؤدي فيها الحد الأدنى، أم ميدان عمل طويل نُطالب فيه بأقصى ما نستطيع؟ الهمة العالية ليست اندفاعا عاطفيا مؤقتا، بل موقفا داخليا صارما، يضبط علاقتنا بالوقت، ويحدد قيمة أيامنا، ويقرر إن كنا سنغادر هذه الحياة وقد استنفدنا طاقتنا، أم اكتفينا بالتحسّر عند نهايتها.
وقد أدرك السلف هذه الحقيقة بوعيٍ مبكر؛ فلم يعرفوا هذا الفصل الحاد بين السعي للدنيا والاستعداد للآخرة، ولا بين العمل والعبادة، ولا بين التفكير والإنجاز. كانت حياتهم بناءً واحدا متماسكا: علمٌ لا يُختزن بل يُثمر، وعبادةٌ لا تنعزل بل تُترجم أثرا، وعملٌ تحكمه القيم ولا ينفصل عنها. لذلك لم تكن الهمة لديهم خطابا أخلاقيا جميلا، بل ممارسة يومية صارمة، ومن هنا نفهم لماذا عُدّ الكسل في تصورهم خللا أخلاقيا، لا مجرد تقصير عابر.
أورد ياقوت الحموي في (معجم الأدباء) نموذجا يصعب استيعابه بعقل اليوم لكثرة ما فيه من طول النفس وانضباط العمر.
إسحاق بن مرار الشيباني الكوفي، عاش ما بين مئةٍ وثماني عشرة إلى مئةٍ وعشرين سنة، وكان يكتب بيده إلى أن مات. جمع أشعار أكثر من ثمانين قبيلة عربية، لا بوصفه عملا عارضا، بل بوصفه مشروع حياة.
والأدق دلالة أنه كان كلما أتم جمع أشعار قبيلة، كتب مصحفا كاملا بخطه، وجعله في مسجد الكوفة، حتى تجاوز عدد ما كتبه ثمانين مصحفا. هنا لا نتحدث عن عبقرية فطرية فقط، بل عن انضباط داخلي نادر، وعن فهم عميق لمعنى العمر والوقت، وعن روحٍ ترى في العمل عبادة، وفي العبادة عملا لا ينفصل عن الواقع.
هذا الاتزان الدقيق عبّر عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدعائه العميق: «اللهم إني أعوذ بك من جَلَد الكافر وعجز الثقة». فالقوة المنفلتة من القيم قد تصنع إنجازا أجوف، كما أن الإيمان المنفصل عن العمل قد يتحول إلى تواكل مريح. الخلل لا يكمن في أحد الطرفين وحده، بل في انفصالهما عن بعضهما. كان الفاروق رضي الله عنه يخشى أن يرى النشاط مقرونا بالباطل، أو أن يرى الصلاح مشلولا بالعجز. وهي معادلة لا تقوم بها مجتمعات ولا تستقيم بها مصائر.
ومن هنا تبدو قسوة المتنبي في محلها حين قال:
ولم أرَ في عيوب الناس عيبا
كنقص القادرين على التمامِ
فالعيب الأشد ليس في العجز الصريح، بل في القدرة المؤجلة، والمعرفة المعطّلة، والإمكان الذي يذبل دون أن يُختبر. أن تمتلك الأدوات ثم تتركها تصدأ، أن تعرف ثم لا تعمل، أن تقدر ثم تؤجل، ذلك نقص لا يخففه عذر، ولا تبرره الظروف.
الهمة العالية ليست شعارا مثاليا ولا ترفا ثقافيا، بل ضرورة أخلاقية في زمن سهلت فيه الأعذار، وتكاثرت فيه المبررات. الجمع بين العلم والعمل، وبين الدنيا والآخرة، لا يعني إنجاز كل شيء دفعة واحدة، بل يعني السير بثبات، والنظر إلى كل يوم بوصفه لبِنة في بناء أطول من أعمارنا. فالأعمار لا تُقاس بامتدادها الزمني، بل بما أُودِع فيها من أثر. ومن وعى هذه الحقيقة، خرج من الدنيا خفيف الحمل، ثقيل الأثر، حاضرا بعد غيابه أكثر مما كان في حياته.