د.إبراهيم بن عبدالله المطرف
يوافق يوم السلام العالمي الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام، وهو اليوم الذي تحتفل به هيئة الأمم المتحدة ومنظماتها ووكالاتها المتخصصة. وتوافق يوم السلام العالمي 2025، ولسوء الطالع، مع العديد من الاضطرابات والصراعات التي لازالت تسود أمكنة مختلفة ومتعددة من العالم، كما توافق مع ضبابية في العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية الدولية.
ولا أظن القارئ الكريم يختلف معي إن قلت، بأن الحاجة ملحّة جداً في عالمنا المعاصر اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى تدابير إنسانية دولية جادة، تساعد على صيانة السلام العالمي وحفظه.
في عام 2005، وعند مفترق تاريخي من مسيرة العالم، قرّرت الأسرة الدولية في أن تبني للسلام أُسسًا، بعد أن أرهقتها الحروب وأضناها النزاع.
فجاء تأسيس «لجنة بناء السلام» التي وصفتها ديباجة تأسيسها بأنها ذراعًا أممياً يمتد إلى الدول الخارجة من لهيب الصراع، تستنهضها من رماد الفوضى وتدلها على دروب الاستقرار. ولم تأت اللجنة منفردة، بل ساندتها الأمم المتحدة بإنشاء مكتب خاص لـ»دعم بناء السلام» وصندوق لـ»بناء السلام».
وقد وصف الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان تلك اللحظة بأنها «نقطة تحول، لا في مؤسسات الأمم المتحدة فحسب، بل في الطريقة التي يُنظر بها إلى السلام، لا بوصفه غيابًا للرصاص، بل بناءً طويل الأمد لجسور الثقة والعدالة».
وقد أسهم صندوق بناء السلام في «تفعيل المبادرات في أكثر من 70 بلدًا، تمحورت حول تثبيت ركائز الحقوق والمساواة وترميم النسيج المجتمعي».
وتبذل الأمم المتحدة عبر لجنتها لبناء السلام أيضاً جهودًا جبارة في معالجة مكامن ما يؤجج العنف، كما تدعم عبر أهدافها السبعة عشر للتنمية المستدامة، مساعي الدول إلى تعزيز الازدهار، ورفع مستويات الصحة والمعيشة، ووضع حدّ لجميع أشكال التمييز.
ويرى الكاتب أن على كل منا كأعضاء وشركاء في مسؤولية إرساء سلام الأسرة الدولية المعاصرة، على كل منا أفراد المجتمعات المحلية، من التلاميذ في الفصول الدراسية بمختلف مستوياتها المنتشرة في أرجاء المعمورة، الى الهيئات والمنظمات والمؤسسات ذات الرأسمال اللاربحي، إلى المجموعات الاقتصادية الكبرى ورجال المال والأعمال، إلى رجال الثقافة والإعلام والأكاديميا والمحاماة والاستشارات، علينا جميعنا دور مجتمعي ينبغي أن نؤديه، كل منا بما يستطيع من مال ووقت وجهد في مسيرة بناء السلام.
ينبغي علينا أن نرفع أصواتنا في وجه العنف والكراهية، والتمييز واللامساواة، وأن نمارس مبادئ التعاون المشترك، والأهم من هذا وذاك، هو أن نمارس بجدية واهتمام، مبادئ الاحترام والحوار والتسامح. وهناك سبل كثيرة يمكن أن نسلكها في ذلك الطريق، فهناك الحاجة «الملحة» للحوارات المجتمعية والأهلية حول التفاهم ونبذ العنف والتسامح، وهناك الحاجة «الملحة» للإصغاء للمختلف، من أصوات الآخرين التي تختلف عن أصواتنا، وهناك الحاجة «الملحة» للتصدي للعبارات التمييزية، وخاصة ما يصدر منها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي ميادين توعوية تثقيفية تضطلع الأمم المتحدة بدور فاعل في جميعها، في سعي لقيادة الجهود الأممية، الرامية إلى تحقيق هذه الأهداف المجتمعية الملزمة.
ويعلم القارئ الكريم بأن عالمنا اليوم يمر بوقت بات الجميع فيه أحوج ما يكونون الى عمل جاد لنشر «ثقافة» السلام، وعلى كل المستويات وجميع الأصعدة، بهدف تعزيز مناخ السلام بين الثقافات. وعادة ما يبدأ نشر وتعزيز ثقافة السلام بـ»الفرد» من خلال علاقاته بمجتمعه المحلي، الذي ينطلق منه، لمد جسور التواصل مع الآخر في كل مكان. ومن هذا المنطلق، ولتحقيق الأمن والسلم والاستقرار والتنمية المستدامة، تأتي ضرورة حث شعوب العالم ودولها على إرساء قيم «الاحترام والحوار والتسامح» من جهة، ونبذ جميع أشكال الكراهية من جهة أخرى.
فالسلام والتسامح عنصران ضروريان لعالم سلمي ومستقر. ولدى الكاتب قناعة كبيرةً جداً، بأنه «لا حوار بلا احترام»، ولا «تسامح بلا حوار».
ودعما لنشر ثقافة السلام، لا بد أن يعمل الجميع على توحيد صفوفهم، في مواجهة صفوف التطرف والدعوة للعنف، ويفعلون دور وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة وشبكة الإنترنت ووسائل التواصل في نواحي الحياة الاجتماعية والمهنية المختلفة، لمساندة النشء الجديد الذي يمثل الفئة الأكثر استهدافًا، على الحفاظ على القيم الفاضلة، ونخص بالذكر في هذا الإطار، الاحترام والحوار والتسامح، من منطلق أنه «لا حوار بلا احترام»، و»لا تسامح بلا حوار».
ومن هنا، فانه ينبغي على قادة الرأي وأهل الاختصاص، العمل الجاد على تفعيل «ثقافة السلام» بدعوة الناس إلى «التقارب» الذي يساعدهم على امتلاك القدرة لمواجهة العنف، وتعظيم «الأخوة» التي تجعلهم أكثر جنوحا للسلم، وأكثر انسجاماً مع الفئات المجتمعية الإنسانية الأخرى، وأكثر انفتاحًا على الآخر، أينما كان.
ونختم بالقول بأن العمل على نشر «ثقافة السلام» بات مطلبًا وغاية ملحة تتطلع لبلوغها المجتمعات الإنسانية، حيث أصبح موضوع نشر ثقافة السلام، قضية تشغل بال القيادات السياسية والمدنية وقيادات المنظمات الدولية والإقليمية على حد سواء، أملاً في حل الصعوبات والمعضلات التي تواجه المجتمعات المختلفة اقتصادياً واجتماعيا، وتجنبا لأي نزاعات أو صراعات مستقبلية.
وإن كان للكاتب ما يود التأكيد عليه، فهو ضرورة تكريس القيادات السياسية والمدنية والهيئات والمنظمات والوكالات الدولية والإقليمية المتخصصة، ومراكز الفكر، والمثقفين والكتاب والأكاديميين، بالعمل على تعزيز «مبدأ الاحترام» لنتمكن من الانطلاق بأريحية نحو «الحوار» ولننتقل منه بأريحية أكبر إلى «التسامح». ولنتذكر دوماً، ونحن نسعى لترسيخ ثقافة السلام وبناء السلام العالمي، حقيقة أنه «لا حوار بلا احترام، ولا تسامح بلا حوار». والله من وراء القصد..