إبراهيم بن يوسف المالك
منذ عام 2005، كان يفترض أن يُدار ملف الغاز الطبيعي في مصر بوصفه أحد أهم ملفات الأمن القومي، لا باعتباره موردًا ماليًا ظرفيًا أو ورقة سياسية قابلة للمقايضة أو أداة لتحسين أرقام قصيرة الأجل. في ذلك العام، كانت مصر دولة مُصدِّرة للغاز، تمتلك احتياطيات مؤكدة، وبنية تحتية مبكرة، وموقعًا جغرافيًا يمنحها فرصة نادرة لتكون مركزًا إقليميًا للطاقة لعقود طويلة. ومع ذلك، وبعد ما يقارب عشرين عامًا، تجد الدولة نفسها أمام اتفاق طويل الأمد لاستيراد الغاز حتى عام 2040، في لحظة تفرض سؤالًا مباشرًا لا يمكن القفز فوقه: كيف انتقلنا من موقع الفائض والسيادة والاختيار إلى موقع الاعتماد والاضطرار وضيق الخيارات؟
المعضلة الحقيقية ليست في الاتفاق الحالي بحد ذاته، فالدول تستورد الطاقة عندما تقتضي الحاجة، بل في المسار الذي سبقه، أو بالأحرى في غياب المسار أصلًا. فمنذ 2005 لم تُبنَ سياسة وطنية مكتوبة ومعلنة لأمن الطاقة تمتد عشرين أو ثلاثين عامًا، ولم يُفصل بين إدارة المورد الطبيعي ومتطلبات السياسة الآنية، ولم تُصغَ سيناريوهات واضحة لنمو الطلب المحلي أو لمخاطر الاضطراب السياسي أو لتحولات أسواق الطاقة العالمية. وبدلًا من ذلك، جرى التعامل مع الغاز كأداة لتحقيق عائد سريع، أو لترتيب علاقات إقليمية، أو كملف فني مغلق داخل دوائر ضيقة بلا نقاش عام أو مساءلة مؤسسية، ما جعل القرارات رهينة اللحظة لا الرؤية.
ثم جاءت سنوات ما بعد 2011 لتكشف هشاشة هذا النهج بوضوح. فبدل أن تكون الأزمة فرصة لإعادة بناء سياسة طاقة وطنية حديثة وأكثر صلابة، دخلت الدولة في حالة إدارة طوارئ طويلة الأمد، عنوانها رد الفعل لا التخطيط، والاحتواء المؤقت لا الحل الجذري. تراجع الاستثمار، انسحب شركاء، تعطّلت خطوط، وتأجل أي تفكير استراتيجي بحجة الظروف الاستثنائية. ضاعت سنوات كان يمكن خلالها بناء بدائل، وتنويع مصادر، ووضع أسس حوكمة تمنع تكرار الأزمة مستقبلًا، لكن ذلك لم يحدث، واستُهلك الوقت في إطفاء الحرائق لا في منع اشتعالها.
وعندما اكتُشف حقل «ظهر» في 2015، وهو اكتشاف ضخم لا يمكن إنكاره أو التقليل من قيمته، تحوّل الإنجاز تدريجيًا إلى ما يشبه المخدر الاستراتيجي. جرى التعامل مع الحقل باعتباره حلًا نهائيًا ومكتفيًا بذاته، وبُنيت السياسات على افتراض ضمني بأن حقلًا واحدًا، مهما بلغ حجمه، يمكن أن يعوّض غياب التخطيط طويل الأمد. هذا الافتراض يتعارض مع أبسط مبادئ صناعة الطاقة، حيث لكل حقل دورة حياة معروفة، تبدأ بالتصاعد ثم الذروة ثم التراجع. لم تُبنَ سلة حقول بديلة، ولم يُستثمر الفائض في تأمين مرحلة ما بعد الذروة، ولم تُطرح خطة واضحة لإدارة التراجع المتوقع. وعندما بدأ الإنتاج المحلي يتراجع منذ عام 2022، عادت الأزمة، ولكن هذه المرة دون شبكة أمان حقيقية.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس لماذا اضطرت مصر إلى الاستيراد الآن، بل لماذا لم تُحصّن نفسها قبل أن تُجبر على ذلك. أين كانت خطط التوسع الجاد والمنهجي في شرق المتوسط؟ ولماذا ظل البحر الأحمر مجرد وعود ومزايدات واستكشافات أولية دون انتقال حقيقي إلى مرحلة الإنتاج؟ ولماذا لم يُنشأ صندوق سيادي مخصص لإعادة استثمار عوائد الغاز في الاستكشاف والتطوير طويل الأجل؟ ولماذا لم يُفصل بوضوح بين وظيفة التنظيم، ووظيفة الاستثمار، ووظيفة القرار السياسي؟ هذه ليست أسئلة تقنية أو محاسبية، بل أسئلة حوكمة ومسؤولية استراتيجية.
الاتفاق الحالي لاستيراد الغاز يمكن فهمه اقتصاديًا في سياقه الضيق. فالسوق المحلي يحتاج إلى استقرار فوري، والغاز عبر الأنابيب أقل تكلفة وأقل تقلبًا من الغاز المسال، والدولة تريد تجنب انقطاعات كهرباء وضغوط صناعية واجتماعية لا تحتملها في هذه المرحلة. لكن استراتيجيًا، يطرح الاتفاق إشكالية أعمق، تتمثل في تكريس اعتماد طويل الأمد على طرف واحد، في منطقة شديدة الاضطراب، مع طرف له سجل سياسي وعدواني معروف، وهو ما ينقل النقاش من الاقتصاد إلى السيادة ومن الحسابات الآنية إلى المخاطر بعيدة المدى. ولا يمكن تجاهل البعد السياسي المحيط بالملف. فالاتفاق يأتي في سياق إقليمي ودولي معقّد، يتداخل فيه السعي إلى «الاستقرار بأي ثمن» مع الضغوط الدولية، والدور الأمريكي، وحضور الشركات الكبرى، وإعادة ترتيب التوازنات بعد أزمات كبرى شهدتها المنطقة. قد لا يكون القرار مفروضًا بالكامل، لكنه بالتأكيد ليس معزولًا عن هذا السياق، ولا يمكن فهم توقيته وحجمه بعيدًا عنه.
الخلاصة أن المشكلة ليست أن مصر وقّعت اتفاقًا لاستيراد الغاز، فالدول تفعل ذلك عند الحاجة. المشكلة أن هذا الاتفاق جاء ليملأ فراغ استراتيجية كان يجب أن تُبنى منذ عام 2005. والمساءلة الحقيقية ليست: هل الاتفاق جيد أم سيئ؟ بل: لماذا فشلت الدولة، طوال عقدين، في بناء سياسة أمن طاقة تمنع الوصول إلى هذا الخيار كحل اضطراري؟ هذا السؤال ليس عدائيًا، بل جوهري، والإجابة عليه بصدق هي وحدها ما يحمي الدولة من تكرار المشهد نفسه بعد عشر سنوات، ولكن في ملف استراتيجي آخر.