أريج كعكي
يعد إقرار الإستراتيجية الوطنية للتخصيص نقطة تحول جوهرية في المشهد الاقتصادي السعودي، فهي لا تمثل مجرد تخارج للدولة من بعض الأصول، بل هي «إعادة هندسة» شاملة لدور القطاع الخاص في قيادة النمو.
تأتي هذه الإستراتيجية لتضع إطاراً تنفيذياً لنظام التخصيص، وتعمل كجسر لتحقيق مستهدفات رؤية 2030 في رفع مساهمة القطاع الخاص إلى 65 % من الناتج المحلي الإجمالي، مما يؤسس لمرحلة جديدة من الاقتصاد المرن والمتنوع الذي يعتمد على الكفاءة والابتكار.
تتجاوز فوائد هذه الاستراتيجية الجانب المالي الصرف، لتشمل أبعاداً تنموية عميقة تهدف إلى تجويد الخدمة ورفع كفاءة الإنفاق، منها:
أولا: تعظيم العائد من الأصول الوطنية: عبر جذب كفاءات القطاع الخاص لإدارة وتشغيل القطاعات الحيوية وفق معايير عالمية مما ينعكس مباشرة على جودة الحياة. وأيضا تحفيز الاستثمار الأجنبي النوعي (Strategic FDI): من خلال توفير بيئة تشريعية جاذبة وشفافة تضمن نقل المعرفة (Know-how) وتوطين الصناعات المتقدمة، بدلاً من جلب رؤوس الأموال المجردة.
بالإضافة الى الاستدامة المالية وتنويع الدخل: من خلال خفض الإنفاق الرأسمالي الحكومي وتحويل الالتزامات التشغيلية إلى استثمارات إنتاجية عبر نماذج الشراكة المتطورة (PPP).
ومن الفوائد أيضا تعميق سوق المال: حيث تساهم عمليات طرح الأصول المخصصة للاكتتاب في زيادة عمق سوق الأسهم، مما يعزز مستويات الحوكمة والشفافية ويسمح للمواطنين بالمشاركة في ملكية المشاريع الوطنية.
رغم المتانة التشريعية والوضوح في الأهداف، قد تبرز إشكالية «المواءمة التنفيذية» كأحد أهم التحديات التي تواجه برامج التخصيص عالمياً. تكمن هذه الفجوة في انتقال الأصول من بيئة «إدارية تنظيمية» إلى بيئة «ربحية تنافسية». هذا التحول يتطلب دقة عالية في تقييم الأصول وتحديداً أوضح لتوزيع المخاطر بين الدولة والمستثمر، لضمان عدم تأثر جودة الخدمة خلال الفترات الانتقالية.
علاوة على ذلك، قد يظهر تحدي «التكامل الثقافي المؤسسي»؛ حيث يحتاج الموظفون والقيادات في القطاعات المستهدفة إلى تبني عقلية «القيمة المضافة» و»التميز في الخدمة». إن عدم جسر هذه الفجوة قد يؤدي إلى تباطؤ في استيعاب التغيير، مما يجعل من إدارة التغيير (Change Management) عنصراً حاسماً في نجاح أي عملية تخصيص، لضمان استقرار العمليات وحماية حقوق كافة الأطراف المعنية.
أبعاد مضافة: الحوكمة الرقمية وتنافسية الأسواق..
وفي المقابل، في ظل التحول الرقمي الشامل، لم يعد التخصيص عملية إدارية تقليدية بل أصبح عملية «رقمية» بامتياز. إن دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في مراقبة أداء القطاعات المخصصة يمثل حلاً جوهرياً لضمان الشفافية، فمن خلال المنصات الموحدة يمكن مراقبة جودة الخدمات لحظياً وفق مؤشرات أداء دقيقة، مما يوازن بين حرية المشغل في الإدارة وبين حماية المصلحة العامة وحقوق المستهلكين.
كما تبرز أهمية «المنظم المستقل» في مرحلة ما بعد التخصيص. فالهدف ليس فقط نقل الإدارة للقطاع الخاص، بل ضمان وجود سوق تنافسي عادل يمنع الاحتكار ويحفز الابتكار. إن بناء قدرات الهيئات التنظيمية لتكون قادرة على إدارة العقود المعقدة هو الضمانة الأكيدة لاستمرار تدفق الاستثمارات النوعية وبقاء الأسعار والخدمات في مستويات عادلة وتنافسية.
ولضمان تحقيق مستهدفات الإستراتيجية بأعلى كفاءة، من المقترح طرح الحلول التالية:
تفعيل وحدات حوكمة الشراكة (Transition PMO): يتطلب الواقع العملي تأسيس مكاتب إدارة مشاريع متخصصة في «قيادة التحول»، تعمل كطرف فني يضمن الالتزام بالجداول الزمنية، ويدير مخاطر الانتقال التشغيلي بمرونة عالية تضمن عدم انقطاع الخدمات.
هندسة رأس المال البشري التحولي: نجاح التخصيص مرهون بجاهزية الكوادر الوطنية. يجب تبني برامج «إعادة تأهيل» تركز على مهارات الإدارة الرشيقة (Agile Management)، التحليل المالي، والقيادة في بيئات تنافسية، لضمان قيادة أبناء الوطن لهذه الكيانات بكفاءة واقتدار.
تعزيز الشفافية والعدالة المعلوماتية: توفر البيانات الدقيقة والمحدثة حول الفرص الاستثمارية يقلل من حالة «عدم اليقين» لدى المستثمرين، ويسرع من وتيرة إغلاق الصفقات، مما يعزز من سمعة البيئة الاستثمارية كمركز عالمي يتميز بالنزاهة والوضوح الإجرائي.
إن الإستراتيجية الوطنية للتخصيص ليست مجرد خيار اقتصادي، بل هي بوابة نحو اقتصاد مرن ومنافس عالمياً. معالجة تحديات المواءمة التشغيلية بعقلية استباقية، ودمج التقنية في الحوكمة، والاستثمار في الإنسان، ستحول هذه الاستراتيجية من مجرد «نقل ملكية» إلى «صناعة قيمة مضافة».
نحن أمام فرصة تاريخية لإثبات أن التكامل بين القطاعين العام والخاص هو القوة المحركة للازدهار، مؤكدين أن المرحلة الحالية لا تبني اقتصاداً جديداً فحسب، بل تصنع نموذجاً عالمياً ملهماً في الكفاءة والنمو المستدام.