د. محمد بن إبراهيم الملحم
في حديثي السابق عن ثنائية الفهم والحفظ، وأنه «لا» لكل منهما منفردا، فنستكمل اليوم الغوص في عباب هذا الأمر لنتعرف على أبعاده من وجهة نظر علمية فمن أوضح من كتب في هذه المسألة عالم النفس التربوي الأمريكي دانيال ويلينغهام (Daniel Willingham) في كتابه المؤثر «لماذا لا يحب الطلاب المدرسة» Why Don’t Students Like School وذلك عام 2009 حيث يقول بوضوح «التفكير الناقد ليس مهارة عامة يمكن تعليمها في الفراغ؛ إنه يعتمد دائمًا على معرفة سابقة بالمجال» فلا يمكن إذن لطالب في مدارسنا أن يفكر نقديًا في نص تاريخي عن الدولة العباسية مثلا وهو يجهل تسلسل الخلفاء، ولا أن يحلل مسألة في ميكانيكا الفيزياء التقليدية وهو لا يحفظ قوانين نيوتن الأساسية، فالتفكير يحتاج إلى مادة يعمل عليها، وهذه المادة هي باختصار: المعرفة المختزنة بثبات وثقة، ولهذا فإن الدعوة إلى تعليم «مهارات التفكير» بمعزل عن المحتوى، كما يؤكد ويلينغهام، هي دعوة محكوم عليها بالفشل، وفي السنوات الأخيرة برز اتجاه تربوي قوي في بريطانيا والولايات المتحدة بدأ نهاية الثمانينيات ويُعرف بـ “المنهج الغني بالمعرفة” (Knowledge-Rich Curriculum)، ومن أبرز منظّريه إدوارد هيرش (E. D. Hirsch, 1987) وديزي كريستودولو (Daisy Christodoulou, 2014) حيث يقوم هذا الاتجاه على فكرة مركزية هي: أن الطلاب لا يستطيعون القراءة العميقة ولا التحليل الناقد ما لم يمتلكوا قاعدة معرفية واسعة ومتراكمة، لذلك فإن التركيز على المهارات المجردة على حساب المعرفة الأساسية يضر الطلاب وخصوصًا أولئك الطلاب القادمين من بيئات تعليمية ضعيفة، وعلى سبيل المثال فإن الطالب الذي يقرأ نصًا عن «الحضارة الإسلامية في الأندلس» لن يفهمه حقًا إن لم يكن يحفظ أساسيات الجغرافيا والتاريخ والمصطلحات، فالمعرفة المحفوظة هنا هي المفتاح الحقيقي للفهم الصحيح الفعال والتعلم النشط.
ويجب التنويه أننا حين ندافع عن الحفظ فإننا لا نعني الحفظ الآلي الأعمى (حفظ الصم كما نسميه، أو بفصاحة أفضل الحفظ الأصم)، فالأبحاث تميّز بوضوح بين نوعين: أولهما الحفظ الآلي (Rote Memorization) والذي يقوم على ترديد الكلمات أو التعبيرات والجمل دون فهم عميق بالضرورة، والثاني الحفظ المعنوي (Meaningful Memorization) الذي يقوم على فهم المعنى أولاً ثم تخزينه ثانياً بصيغ مختصرة ومنظمة، والمشكلة في كثير من مدارسنا العربية ليست في «الحفظ» بحد ذاته، بل في الاكتفاء بالحفظ الآلي من النوع الأول، ويتبدى ذلك في الممارسات التدريسية والتعليمية خاصة في طريقة الأسئلة الاختبارية سواء في صياغتها أو في أسلوب تصحيحها فهي غالبا تؤدي إلى هذه النتيجة (أي دفع الطالب إلى الحفظ الأصم) مهما أدعى الممارسون وغيرهم خلاف ذلك! فالطالب قد يحفظ تعريفًا في كتاب العلوم دون أن يفهمه، أو يكرر أبياتًا من الشعر دون أن يعي دلالاتها، ذلك أن التقويم لن يتجاوز هذه المطالب عادة، وهنا يصبح الحفظ عبئًا فعليا، لأنه منفصل عن المعنى، وتتحول الدراسة إلى شيء ممل ومفرغ من القيمة. وقد أوضح عالما النفس كريك ولوكهارت (Craik الجزيرة Lockhart)، في السبعينات (1972) أن المعالجة السطحية للمعلومات تؤدي إلى تعلم ضعيف سريع الزوال، بينما المعالجة العميقة القائمة على المعنى تنتج تذكرًا أرسخ وفهمًا أعمق، ولا شك أن التعلم مع الفهم العميق هو ما يجعل منه متعة ويجعل من الدراسة شيئا ذي معنى وقيمة لدى الطالب.
وهنا تساؤل مهم: كيف يمكن أن يتحوّل الحفظ إلى فهم؟ وتتلخص الإجابة أن الجسر الحقيقي بين الحفظ والفهم هو في مهارة التلخيص والترميز المعرفي، فحين يقرأ الطالب نصًا طويلًا ثم يعيد صياغته في جمل قصيرة بلغته الخاصة، فإنه يمارس سلسلة من العمليات العقلية العميقة: فهو يفرز الأفكار، ويعيد ترتيبها، ويبني بينها علاقات، وهي عمليات تنشط التأمل والتبصر في معاني ما سيتم حفظه، فيكون حفظاً لما تم فهمه وهضمه بالكامل، ومن هنا يتحول الحفظ إلى فهم. وإن أبحاث هنري رويديغر وجيفري كاربيك (Roediger الجزيرة Karpicke) عام 2006 حول «الاسترجاع النشط» أثبتت أن الطلاب الذين يختبرون أنفسهم ويعيدون صياغة ما تعلموه (بلغتهم وتعبيراتهم الخاصة) يحققون تعلمًا أبقى وأعمق من أولئك الذين يكتفون بالمراجعة السلبية (المراجعة بالتسميع) كما أظهرت أعمال جوزيف نوفاك (Novak الجزيرة Ca?as) عام 2008 أن الخرائط المفاهيمية conceptual maps تساعد على ترسيخ الفهم عبر تنظيم المعرفة في شبكات تذكر قوية الترابط، ولتصور هذه الأطروحات فلنتأمل مثالًا بسيطًا من واقع مدارسنا: طالب يدرس درسًا في الجغرافيا عن «مناخ المملكة العربية السعودية». فإذا اكتفى بحفظ فقرات الكتاب حرفيًا فسيجيب في الاختبار، لكنه غالبًا سينسى سريعًا، أما إذا لخص الدرس في نقاط مختزلة تمثل علامات استرشادية للتذكر مثل: «صحراوي - قليل الأمطار - صيف حار - شتاء معتدل - تأثير البحر الأحمر والخليج»، ثم حفظ هذه الخريطة الذهنية، فإنه يكون قد فهم المعنى وحفظه في آن واحد حفظا لا يتوقع معه النسيان بل ربما يستمر معه آماداً طويلة، وهذا ما يخلق ثقافة الفرد في الموضوع، ومن هنا في الواقع تنطلق صناعة المثقف.
** **
- مدير عام تعليم سابقاً