د. عبود مصطفى عبود
هناك نوعان من المسؤولين: واحد ينجح لأنه يدير ما هو قائم، وآخر ينجح لأنه يخلق واقعًا لم يكن موجودًا من الأساس.
وفي عالمنا العربي - حيث تتزاحم الشعارات وتقل الإنجازات - يصبح ظهور مسؤول من النوع الثاني حدثًا يستحق أن يُكتب عنه.
تجربة المستشار تركي آل الشيخ، في رأيي، ليست مجرد تجربة في الترفيه أو إدارة الفعاليات، ولا هي مجرد انتقال من نمط اجتماعي إلى نمط آخر كما يحب بعض المتعجلين أن يصفوها.
إنها تجربة أعمق من ذلك بكثير: تجربة في القيادة التحويلية، وفي القدرة على تطبيق الرؤية إلى مشهد يومي، وفي صناعة مدينة ترفيهية تفرض نفسها على خريطة العالم دون أن تتنازل عن هويتها.
وهنا لا يمكن فصل هذه التجربة عن السياق الأكبر الذي أتاحها: سياق رؤية المملكة 2030 بوصفها مشروعًا وطنيًا شاملًا، ارتبط -في جوهره- بإرادة سياسية واضحة يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
قيادة تؤمن بأن الدولة الحديثة لا تُبنى بالاقتصاد وحده، بل ببناء الإنسان، وبإعادة تعريف جودة الحياة، وبصناعة صورة دولية جديدة للمملكة. ومن الإنصاف القول: إن هذا التحول، بهذا الاتساع وبهذه السرعة، ما كان ليأخذ مداه لولا الدور المحوري لصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، الذي قدّم نموذجًا غير مسبوق في دفع التغيير من أعلى، وفتح المسارات أمام التنفيذ، وتحويل الرؤية إلى دولة تعمل.
ولعل أكثر ما يدهشك في هذه التجربة أنك لا تستطيع أن تضعها في خانة واحدة.
هي ثقافة، واقتصاد، وصورة دولية، وبناء ذائقة عامة، وإعادة تعريف للمدينة، وفي الوقت نفسه -وهذا هو الأهم- اختبار شديد الحساسية لفكرة الهوية:
هل تستطيع دولة عربية أن تتغير دون أن تفقد روحها؟
الرياض قدّمت الإجابة.
خلال سنوات قليلة، أصبحت العاصمة السعودية مدينة يُقال عنها في العالم ما كان يُقال عن مدن قليلة: إنها وجهة.
ليست وجهة سياحية فحسب، بل وجهة للحدث، وللفن، وللرياضة، وللصناعة الثقافية، وللدهشة.
وهنا لا نتحدث عن مشهد دعائي، بل عن حقيقة ملموسة: أسماء عالمية كبرى تأتي إلى الرياض، وشركات ضخمة تستثمر فيها، وجمهور من داخل المملكة وخارجها يتعامل معها بوصفها مدينة تُنتج التجربة، لا مجرد مدينة تستهلكها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف حدث هذا بهذه السرعة؟ وكيف لم تتحول الرياض - مع هذا الانفتاح - إلى نسخة باهتة من مدن أخرى؟
الإجابة في كلمة واحدة: القيادة للترفيه.
وفي كلمتين: العقل والتفاصيل.
تركي آل الشيخ لم يتعامل مع موسم الرياض كحدث.
تعامل معه كمنظومة.
وهنا يكمن الفارق الذي لا يفهمه كثيرون:
الحدث يمكن أن ينجح مرة ويخفق عشر مرات.
أما المنظومة فحين تُبنى جيدًا، يصبح النجاح قابلًا للتكرار، ويصبح التطوير جزءًا من طبيعتها، وتتحول التجربة من استثناء إلى قاعدة.
والذي تابع موسم الرياض عامًا بعد عام يلاحظ شيئًا واضحًا: ليس هناك تكرار ممل، ولا استسهال، ولا اعتماد على الضجيج.
هناك تحديث دائم، ومفاجآت محسوبة، وحرص على التفاصيل التي قد يراها البعض صغيرة لكنها تصنع الفارق: التنظيم، الإضاءة، الخدمة، توزيع الجمهور، جودة المكان، احترام وقت الناس، والإحساس بأن هناك من يفكر في تجربة المواطن لا باعتباره رقمًا، بل باعتباره إنسانًا.
وهذا -في ذاته- تحول حضاري.
لأن الحضارة ليست فقط مباني شاهقة وشوارع واسعة فقط.
الحضارة في جوهرها هي إدارة الحياة اليومية بطريقة تجعل الإنسان يشعر أن الدولة تحترم وقته، وذوقه، وحقه في الجمال، وحقه في الفرح.
والأصعب من كل ذلك أن يحدث هذا دون أن تصطدم التجربة بجدار المجتمع.
كثير من الدول حاولت التحديث عبر الصدام: صدام مع الهوية، صدام مع الناس، صدام مع التقاليد، ثم فوجئت بأن المجتمع - مهما بدا صامتًا - قادر على المقاومة.
لكن ما جرى في السعودية كان مختلفًا.
التحديث هنا لم يُقدَّم كحرب على القيم، بل كإعادة ترتيب للمشهد بما ينسجم مع طبيعة المجتمع وتاريخه.
وهذا في تقديري من أذكى ما في التجربة، وهو في الوقت ذاته جزء من المنطق العام الذي تبنته رؤية 2030: أن التغيير لا ينجح حين يفرض نفسه على المجتمع كعداء، بل ينجح حين يُدار باعتباره انتقالًا محسوبًا يفتح أبواب المستقبل دون أن يغلق أبواب الذاكرة. الهوية السعودية لم تُهزم، ولم تُدفع إلى الهامش.
بل أصبحت جزءًا من المشهد العام، جزءًا من الحضور، جزءًا من الإحساس.
حتى وأنت تشاهد فعاليات عالمية ضخمة، تظل تشعر أن المكان سعودي: في الروح، في النبرة، في التقاليد، في احترام الأسرة، في شكل المدينة، وفي حسها العام.
إنها حداثة بلا قطيعة.
انفتاح بلا ذوبان.
ثم هناك بُعد آخر لا يقل أهمية:
القوة الناعمة.
قبل سنوات، كان العرب في الغالب يتعاملون مع صورتهم في العالم بوصفها عبئًا. كنا دائمًا في موقع الدفاع: نشرح، ونبرر، ونرد على الصور النمطية.
لكن ما حدث في الرياض هو انتقال إلى مرحلة جديدة: مرحلة صناعة الصورة بدل الدفاع عنها.
وحين نتحدث عن صناعة الصورة هنا، فنحن لا نعني الدعاية، بل نعني القدرة على تحويل النشاط إلى نموذج يُرى ويُلمس. وهذا بالضبط ما عمله سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في المملكة: أن تنتقل السعودية من مرحلة التعريف بنفسها إلى مرحلة تقديم نفسها عبر الإنجاز والواقع، لا عبر الخطاب وحده.
حين تستضيف مدينة عربية هذا الكم من النجوم العالميين، وهذه الكثافة من الفعاليات، وهذه الجودة التنظيمية، فإنها لا تقول للعالم نحن نريد أن تُحبونا، بل تقول له بثقة: تعالوا وانظروا بأنفسكم.
وهذا في السياسة الدولية أجدى من ألف خطاب.
لأن الصورة حين تُصنع على الأرض تصبح أقوى من كل رواية معادية.
والإنصاف يقتضي أن نقول:
ليس كل من يملك ميزانية ضخمة يستطيع أن يفعل ذلك.
المال وحده لا يصنع دهشة.
قد يصنع ما هو مؤقت، لكنه لا يصنع نموذجًا.
النموذج يحتاج إلى مسؤول يعرف كيف يربط بين الفكرة والناس، وبين الدولة والمجتمع، وبين الداخل والخارج، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين الترفيه والاقتصاد، وبين الحدث والصورة الدولية.
وهذا ما فعله تركي آل الشيخ، منفذاً توجيهات سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان.
وما فعله لم يكن ليأخذ هذا الأثر لولا وجود مظلة سياسية وإستراتيجية أكبر، تقودها شخصية جعلت التحول هو عنوان المرحلة، وقدمت - في لحظة عربية شديدة الارتباك - مثالًا على أن الدولة القوية ليست الدولة التي تخاف من التغيير، بل الدولة التي تقوده وتتحكم في مساراته.
أنا لا أكتب هذه الكلمات من باب المبالغة أو التمجيد، ولا أؤمن أصلًا بالكتابة التي تتحول إلى نشيد.
لكنني أكتب لأن التجربة -كما هي على الأرض- تستحق أن تُقرأ بوصفها درسًا عربيًا نادرًا:
إن النجاح ليس صدفة، وأن التغيير ليس فوضى، وأن الهوية ليست عائقًا أمام الحداثة، وأن المدينة العربية قادرة -إذا وُجدت الإدارة والجرأة- أن تنافس مدن العالم الكبرى.
في النهاية، لا أحد يستطيع أن يدّعي أن طريق التحول بلا تحديات.
ولا أحد يملك رفاهية القول إن كل شيء كامل. لكن ما يلفت النظر في الرياض اليوم هو شيء أعمق من الكمال:
هو وجود إرادة واضحة للتحسن المستمر، ووجود عقل مؤسسي لا يرضى بأن يكرر نفسه، ووجود قيادة تدرك أن التاريخ لا ينتظر المترددين.
رؤية المملكة مع عرابها الأمير محمد بن سلمان جعلت الرياض مدينة تتكلم لغة العالم.. دون أن تفقد لهجتها الخاصة.
أن تفتح الأبواب.. دون أن تهدم الجدران التي تحمي البيت.
أن تدخل العصر.. دون أن تخلع جلدها.
وهذا، في رأيي، هو المعنى الحقيقي للقيادة التحويلية.
لا أن تغيّر الناس بالقوة، بل أن تغيّر واقعهم بطريقة تجعلهم يشعرون أنهم أصبحوا أفضل.. وهم ما زالوا أنفسهم.