مهدي آل عثمان
لا يمكن لأي إنسان، مهما بلغ طموحه أو امتلك من مهارات، أن يبني مسيرته المهنية بمفرده. فالنجاح المهني ليس مجرد اجتهاد فردي أو إنجاز شخصي، بل هو حصيلة تفاعل مستمر مع أشخاص يتركون بصماتهم في طريقنا، يوجهوننا حين نحتار، ويدعموننا حين نضعف، ويواجهوننا بالحقيقة حين نحتاج إلى من يوقظ فينا روح التطور.
ومن يتأمل تجارب الناجحين بعمق، يكتشف أن وراء كل إنجاز دائرة مهنية واعية تضم شخصيات مختلفة، لكل منها دور لا غنى عنه.
أولى هذه الشخصيات هي المرشد، وهو الشخص الذي سبقك في الطريق، واكتسب خبرة عملية ومعرفية تجعله قادراً على الإرشاد لا التلقين. المرشد لا يمنحك قرارات جاهزة، بل يساعدك على التفكير بعمق، ويطرح عليك الأسئلة التي قد لا تجرؤ على طرحها على نفسك.
وجود المرشد في حياتك المهنية يعني أنك تتعلم من التجربة قبل أن تقع في الخطأ، وتستفيد من خبرات السنين دون أن تدفع ثمنها وحدك. وهو غالباً الشخص الذي يعيد ترتيب أفكارك عندما تتشابك، ويمنحك رؤية أوضح لمسارك المهني.
أما الشخصية الثانية فهي الداعم، ذلك الإنسان الذي يؤمن بك حتى في أكثر لحظاتك شكاً في ذاتك. الداعم لا يكتفي بالكلمات المشجعة، بل يظهر دعمه في المواقف العملية؛ يرشحك للفرص، يذكر اسمك في المجالس المهنية، ويدافع عن قدراتك عندما لا تكون حاضراً.
وجود داعم في محيطك المهني يمنحك دفعة نفسية كبيرة، ويجعلك أكثر جرأة على خوض التحديات. فكثير من الفرص لا تضيع لضعف الكفاءة، بل لغياب من يفتح الباب أو يشير إلى الاسم المناسب.
وتأتي شخصية الزميل بوصفها شريك الرحلة المهنية. الزميل الذي يمر بنفس المرحلة أو يواجه تحديات مشابهة، يفهمك دون شرح طويل، ويشاركك الأفكار والمخاوف والطموحات. في وجود زميل واع، يتحول الضغط إلى نقاش، والتردد إلى قرار مشترك، والتحديات إلى خبرات متبادلة. الزمالة الصحية لا تقوم على المنافسة السلبية، بل على التعاون، وتبادل الخبرات، ومساندة بعضنا البعض في تحقيق النجاح الجماعي قبل الفردي.
ولا يمكن تجاهل أهمية الخبير، وهو الشخص المتخصص الذي يمتلك معرفة دقيقة في مجال معين. الخبير ليس بالضرورة قريباً منك في كل وقت، لكنه حاضر عندما تواجه قراراً معقداً أو مشكلة تتطلب رأياً مهنياً عميقاً. اللجوء إلى الخبير يعكس وعياً مهنياً، ويمنحك ثقة أكبر في قراراتك، ويقلِّل من احتمالية الوقوع في أخطاء قد تكون كلفتها عالية على المدى البعيد. فالحكمة ليست في معرفة كل شيء، بل في معرفة من تسأله عندما تحتاج.
أما الشخصية الخامسة، وربما الأصعب تقبلاً، فهي المتحدي. ذلك الشخص الذي لا يجامل، ولا يرضى بالحلول السهلة، بل يقول لك الحقيقة كما هي. المتحدي يذكِّرك بإمكاناتك الحقيقية، ويشير إلى نقاط ضعفك بوضوح، ويدفعك للخروج من منطقة الراحة. ورغم أن وجوده قد يكون مزعجاً أحياناً، إلا أن أثره بالغ في تطوير الأداء ورفع سقف الطموح. فبدون التحدي، قد نرضى بالمقبول ونغفل عن الممكن.
إن إدراك أهمية هذه الشخصيات، والسعي لبناء دائرة مهنية تضمها، يمثِّل خطوة ناضجة في أي مسيرة مهنية ناجحة. فالمراحل تتغيَّر، والتحديات تتنوَّع، وما تحتاجه اليوم قد يختلف عمَّا تحتاجه غداً، لكن وجود هذه الأدوار حولك يمنحك توازناً بين الدعم والتوجيه، وبين التشجيع والمساءلة.
إن النجاح لا يُقاس فقط بما نحققه من إنجازات، بل أيضاً بمن اخترنا أن نحيط أنفسنا بهم في طريقنا.
فاحرص على بناء علاقات مهنية واعية، وكن أنت بدورك مرشداً أو داعماً أو زميلاً صادقاً أو خبيراً نافعاً أو متحدياً إيجابياً لغيرك. فالمسيرة المهنية الحقيقية لا تُبنى في العزلة، بل تنمو وتزدهر بالآخرين.