نجلاء العتيبي
يأتي رمضانُ كل عام حاملًا أثره في حياة الناس يمرُّ على الأيام مُشبعًا بذكر الله، فيعيد ترتيب إيقاعها، ويترك أثرًا واضحًا على علاقة الإنسان بوقته وجسده ومساحته الداخلية؛ فيشعر الناس بتغيُّرٍ لطيفٍ في انسياب الوقت وانتباههم للحظات حياتهم، فتغدو الأيام أكثر اتصالًا بمعناها.
ومع دخوله تتبدَّل تفاصيل اليوم تدريجيًّا، فتتغيَّر مواعيد الطعام، ويخرج النوم عن نسقه المعتاد، وتتحرَّك الحياة على إيقاع أبطأ وأكثر انتظامًا، ويتحوّل كل فعل بسيط إلى اختبار للانضباط الذاتي، والقدرة على التكيُّف، ويصبح ترتيب اليوم أكثر وضوحًا في انسجام هادئ مع نسق الشهر.
فالصيام في جوهره تجربة تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب، ويكشف قدرة الإنسان على ضبط نفسه ومواجهة رغباته؛ فتظهر آثاره منذ الأيام الأُولى على المزاج وطريقة التفكير فتتكشَّف ملامح النفس، وصدق السلوك، فالتفاصيل الصغيرة مثل هدوء الكلمة عند التعب، وضبط الغضب تحت الضغط، أو الإحسان في التعامل تصبح دلائل دقيقة على طبيعة الإنسان، تحت فضل الله وعنايته.
ومع تقليل المدخلات اليومية يهدأ الخارج وتتسع المساحة الداخلية، ويتراجع الاعتياد، ويظهر فراغ يتيح التفكُّر الهادئ في الجوهر، وملاحظة اللحظات بوعي متزن، يصبح هذا الفراغ مجالًا لمراجعة النفس دون استعجال، فتغدو الأيام تجارب مستقلة في عمقها، لا تكرارًا آليًّا لما اعتاده الإنسان.
ويحافظ الجانب التعبُّدي على إيقاع ثابت؛ فالصلاة تُقسّم الوقت بانتظامٍ، وقراءة القرآن تمنح الذهن صفاءً متصلًا، ويأخذ الدعاء مكانه بوصفه صلةً خالصةً بين العبد وربه، قائمة بذاتها، بهيبة معناها وسكون أثرها.
في هذا الشهر تأخذ الأيام إيقاعًا مختلفًا، ومن هذا النسق، تتغيَّر العلاقة مع الزمن النهار فيُستقبل بوعي ممتد، والليل يميل إلى السكون، ولا تُقاس الأيام بتتابعها، بل بما تزرعه في النفس من صدًى دائمٍ، وكيف تُعيد ترتيب الصلة مع الوقت نفسه، فالتنظيم يمنح خفة، والتراخي يُثقِل، وكل ما يمرُّ يجري تحت تقدير الله، وفي سكون هادئ متصل.
هكذا يتجلّى رمضان في جوهره كتجربة إنسانية متجددة، تعيد الإنسان إلى ذاته، وتضعه أمام عظمة الله بصفاء وطمأنينة، في مساحة زمنية تتجاوز حدود الأيام؛ لتصبح كلُّ لحظة فرصةً للتجديد الروحي والنفسي والمعنوي.
ضوء
«رمضانُ نورٌ على المآذن، ونورٌ في القلوب، وإن كان العمر كله للجسم، فهذا الشهر للروح».
- الشيخ علي الطنطاوي، رحمه الله.