محمد الخيبري
تمر الرياضة السعودية اليوم بمرحلة تاريخية غير مسبوقة، حيث تحولت بوصلة العالم نحو ملاعبنا بفضل مشروع التخصيص والاستحواذ الذي قاده «صندوق الاستثمارات العامة»..
ولكن، وخلف بريق النجوم العالميين وعقود المليارات، تلوح في الأفق أزمة «صمت إداري» بدأت تتحول إلى صراعات إعلامية وجماهيرية «باردة» تارة، ومستعرة تارة أخرى..
أزمة جوهرها غياب الشفافية، وسيد موقفها «الغموض»..
فراغ المعلومة.. بيئة خصبة لـ«تجار الحصريات»
عندما يغيب المتحدث الرسمي، وتوصد أبواب المكاتب أمام التساؤلات المشروعة حول القوائم المالية، وحجم الدعم الحقيقي، وكيفية جدولة الديون في الأندية الأربعة الكبرى، فإننا لا نلغي الأسئلة، بل نفتح الباب على مصراعيه أمام «المجتهدين» وأصحاب «السبق المزعوم»..
هذا الصمت من أصحاب القرار حول حوكمة المبالغ المصروفة وآليات توزيع الدعم، جعل من منصات التواصل الاجتماعي ساحة لتصفية الحسابات وبث الشائعات..
فالمشجع، الذي يفتقد للأرقام الرسمية، يجد نفسه فريسة سهلة لمعلومات مغلوطة يتم تداولها كحقائق، مما يذكي نيران التعصب ويخلق حالة من الاحتقان بين الجماهير التي تشعر بـ«المظلومية» أو «المحاباة» نتيجة لغياب لغة الأرقام الموحدة والمكشوفة للجميع..
نموذج الهلال: شمعة في نفق التعتيم
وسط هذا المشهد الضبابي، يبرز نادي الهلال كنموذج يُحتذى به في ممارسة «الاحترافية الاتصالية والمالية»..
فقيام النادي بنشر قوائمه المالية وميزانيته العامة عبر حساباته الرسمية، وتوضيح مصادر الدخل وبنود المصروفات، لم يكن مجرد إجراء إداري روتيني، بل كان رسالة احترام لجمهوره وتجسيداً حقيقياً لمفهوم «الحوكمة»..
الهلال، بخطوته هذه، قطع الطريق أمام التأويلات، ومنح مناصريه (وحتى منافسيه) صورة واضحة عن واقعه المالي..
هذا الوضوح هو ما يحتاجه الشارع الرياضي من بقية الأندية المستحوذ عليها، لردع التشكيك المستمر في عدالة التنافس ومصادر التمويل..
انفلات «الفضاء الرقمي» والصمت المطبق
إن أخطر ما يواجه رياضتنا اليوم هو «الانفلات الجماهيري» الذي تجاوز حدود النقد الرياضي ليصل إلى التعرض لسيادات الأندية والنيل من النجوم والمسؤولين بشكل يومي..
نحن أمام مشهد يعج بـ«الإساءات» للشخصيات الرياضية، وسط صمت مطبق من الجهات التشريعية، وتراخٍ قانوني غريب من إدارات الأندية في حماية منسوبيها..
إن غياب الحراك القانوني الصارم ضد مروجي الشائعات ومثيري الفتن، جعل من «بيئة الرياضة» بيئة طاردة للعقول والهدوء، ومحفزة لكل من يملك «كيبورد» ليرمي التهم جزافاً دون خوف من عقاب أو مساءلة..
الخلاصة: الشفافية هي الحل لا الخيار
لا يمكن لمشروع رياضي عالمي أن يكتمل في ظل «عتمة» المعلومات المالية..
إن وضع النقاط على الحروف فيما يخص ميزانيات الأندية، والإعلان عن حجم الدعم، والديون السابقة، هو الحل الوحيد لإغلاق «سوق الحصريات» الرخيصة وتبريد المدرجات الملتهبة..
على المسؤولين إدراك أن الصمت ليس «حكمة» دائماً، بل قد يكون وقوداً لنار التعصب التي تأكل جمال منافساتنا..
الشفافية هي «الحوكمة» الحقيقية، والقانون هو «السور» الذي يجب أن يحمي الرياضة السعودية من العبث..
صناعة «المظلومية»: أدلجة العقول وتوجيه القطيع
ما يحدث اليوم في فضاء «إكس» (تويتر سابقاً) والبرامج الحوارية، تجاوز بمراحل حدود المناكفات الكروية المعتادة، ليصل إلى مرحلة خطيرة من «أدلجة عقول الجماهير»..
هناك «أسماء إعلامية» ومؤثرون يمتلكون أجندات خاصة، يعملون بوضوح على غسل أدمغة الجماهير الناشئة عبر زرع مفاهيم الاستهداف والمؤامرة الكونية ضد ألوان أنديتهم..
هؤلاء «المؤدلجون» لا ينقدون أداءً فنياً، بل يوجهون الجماهير كـ«كتل بشرية» ضد تيارات معينة، أو ضد مسؤولين بعينهم، بناءً على ميول مسبقة..
إنهم يصنعون من المشجع «عنصراً» في معركة وهمية، ويقنعونه بأن حقوق ناديه تُسلب خلف الأبواب المغلقة..
هذا التوجيه الممنهج يخلق حالة من العداء والكراهية التي لا تنتهي بصفارة الحكم، بل تمتد لتسمم العلاقات تحت شعار «النصرة للنادي»..
هذه الأدلجة تعتمد كلياً على «غياب المسؤول»؛ ففي ظل صمت صاحب القرار، يصبح «المؤدلج» هو المصدر الوحيد لتفسير الأحداث، فيفسر الدعم بأنه محاباة، والديون بأنها استهداف، والحوكمة بأنها تضييق. إنها عملية «تزييف للوعي» تستوجب وقفة حازمة من الجهات الرقابية، لأن الجمهور الرياضي يتأثر بشكل مباشر بهذه الخطابات التي تلبس ثوب الرياضة وهي منه براء..