غسان برنجي
كان الاجتماع في الشركة في ظاهره عاديًا، مثل عشرات الاجتماعات التي سبقته. نفس القاعة، نفس الطاولة الطويلة، نفس الشاشة المعلقة على الجدار، ونفس العرض الذي يبدأ دائمًا بشريحة عنوانها «ملخص الأداء». لا شيء يوحي بأن هذا الصباح سيختلف عن غيره. حتى الوجوه كانت مألوفة، مزيج من تركيز خفيف وملل صامت. البعض يحتسي قهوته، آخر يقلب هاتفه، وثالث يراجع أرقامه للمرة الأخيرة وكأنه يستعد لامتحان شهري معتاد.
بدأ العرض. أرقام مرتبة، نسب مئوية، مؤشرات خضراء وحمراء. ارتفع مؤشر هنا، انخفض هناك. تم شرح الأسباب، وُضعت التبريرات، واتُّخذت بعض القرارات السريعة. كل شيء يسير كما ينبغي. على الأقل هذا ما كان يبدو.
لكن خلف هذا المشهد المنظم، كانت هناك حقيقة مزعجة لا يراها أحد. لم يكن الفريق يدير الواقع، بل يوثّقه. لم يكونوا يقودون الأحداث، بل يلاحقون آثارها. كانوا يعرفون بدقة ماذا حدث أمس، لكنهم لا يملكون أدنى فكرة عمّا سيحدث غدًا.
هذه الفجوة الصغيرة، التي تبدو غير مرئية في البداية، هي ما يصنع الفرق بين مؤسسة تعمل.. ومؤسسة تتفوق.
لسنوات طويلة، ترسخت في أذهاننا قناعة هادئة بأن كثرة التقارير تعني جودة الإدارة. كلما تضخمت الملفات، شعرنا بالأمان. كلما ازدادت التفاصيل، ظننا أننا نسيطر. كأن الأرقام تمنحنا حصانة نفسية ضد المفاجآت. لكن الحقيقة أبسط وأقسى في الوقت نفسه. التقرير، مهما كان دقيقًا، هو سجل للماضي. هو شهادة لما انتهى. لا يحمل قدرة ذاتية على تغيير ما سيأتي.
المفارقة أن معظم الأزمات الكبرى لا تأتي فجأة كما نحب أن نصدق. هي تتشكل ببطء. تنمو بصمت. ترسل إشارات صغيرة لا يلتفت لها أحد.
ثم، حين تبلغ ذروتها، نصفها بالمفاجئة. بينما هي في الحقيقة كانت تعلن عن نفسها منذ أشهر، وربما سنوات.
في إحدى الشركات، كانت الأعطال ترتفع تدريجيًا بنسبة ضئيلة كل شهر. رقم صغير، لا يثير القلق. ثم ارتفع زمن الاستجابة دقائق معدودة. ثم تأجلت بعض أعمال الصيانة.
كل رقم على حدة يبدو عاديًا. لا يستحق اجتماعًا طارئًا. لكن حين تجمعت هذه الإشارات، كانت النتيجة أزمة تشغيلية كاملة عطّلت الخدمة وأرهقت الميزانية وأحرجت القيادة.
بعد الأزمة، فعلوا ما تفعله كل شركة تقليدية. عقدوا اجتماعات مطولة. حللوا الأسباب الجذرية. كتبوا تقارير «الدروس المستفادة». وعدوا أنفسهم بأن هذا لن يتكرر. لكن أحدًا لم يسأل السؤال الأهم: لماذا لم نره قادمًا؟
هذا السؤال تحديدًا هو ما يصنع لحظة الإدراك.
لحظة الإدراك لا تأتي غالبًا في بداية الطريق. تأتي بعد التعب. بعد الخسائر. بعد أن تكتشف أنك تجري بأقصى سرعتك، ومع ذلك تصل دائمًا متأخرًا. هي لحظة هادئة، أشبه باعتراف داخلي. ليست إعلانًا رسميًا ولا مشروعًا ضخمًا. هي ببساطة أن تنظر إلى كل ما كنت تفعله وتقول: ربما المشكلة ليست في الجهد، بل في الاتجاه.
أتذكر مديرًا تنفيذيًا لإحدى الشركات قال لي مرة: «نحن نعمل أكثر من أي وقت مضى، لكن النتائج لا تتحسن. كأننا نحاول ملء حوض مثقوب.» كانت جملة صادقة. المشكلة لم تكن في الإخلاص ولا في الكفاءة الفردية. كانت في طريقة التفكير نفسها. كانوا يعالجون النتائج، لا الأسباب. يتعاملون مع الأعراض، لا المرض.
التقرير الشهري كان بالنسبة لهم مثل تقرير طبي يخبرك بعد فوات الأوان أنك مرضت الأسبوع الماضي. مفيد للتوثيق، لكنه عديم الفائدة للوقاية.
حين تبدأ في رؤية الأمور بهذه الطريقة، يتغير كل شيء. تدرك أن السؤال ليس «كم أنجزنا؟» بل «إلى أين نتجه؟».
ليس «ماذا حصل؟» بل «ماذا سيحصل إن استمررنا هكذا؟». الفرق بين السؤالين يبدو بسيطًا، لكنه يفتح عالمًا كاملًا من الاحتمالات.
في أحد الاجتماعات، طرح شاب من الفريق سؤالًا بدا بسيطًا إلى حد السذاجة: «هل لدينا في شركتنا أي شيء يخبرنا بما سيحدث الشهر القادم، وليس بما حدث الشهر الماضي؟». ساد الصمت. تبادل الحضور النظرات. لم يكن لديهم جواب.
تلك اللحظة تحديدًا كانت نقطة التحول. ليس لأنهم افتقدوا البيانات. البيانات كانت موجودة بوفرة. لكنهم كانوا يستخدمونها مثل مؤرخين، لا مثل مستكشفين. يسجلون الماضي بدقة، لكنهم لا يحاولون قراءة المستقبل. كانوا يملكون القطع كلها، لكنهم لم يحاولوا تركيب الصورة.
بدأوا بتجربة مختلفة. جمعوا بيانات السنوات الماضية، ليس لإعداد تقرير جديد، بل لاكتشاف الأنماط. متى تزيد الأعطال؟ ما الذي يسبقها؟ هل هناك إشارات متكررة؟ وبعد أسابيع من التحليل البسيط، اكتشفوا شيئًا واضحًا لدرجة أنه بدا محرجًا. كل أزمة سبقتها سلسلة من المؤشرات الصغيرة. ارتفاع ضغط، تأخر صيانة، نقص مخزون. كانت الأزمة تلوّح لهم قبل أشهر، لكنهم لم ينتبهوا.
كأنهم كانوا يشاهدون فيلمًا للمرة الأولى، بينما الإشارات كانت واضحة منذ المشهد الأول.
حينها فقط فهموا أن الإدارة التقليدية تشبه قيادة سيارة بالنظر إلى المرآة الخلفية. ترى ما مضى بوضوح مذهل، لكنك لا ترى الحفرة أمامك. قد تنجو مرة أو مرتين، لكن الاصطدام مسألة وقت.
التحول الحقيقي لم يكن في شراء نظام جديد أو التعاقد مع شركة استشارية. كان في تغيير العقلية. في الإيمان بأن دور القيادة ليس تفسير الماضي، بل حماية المستقبل. وأن أفضل قرار هو الذي يمنع المشكلة أصلًا، لا الذي يحلها ببراعة بعد وقوعها.
شيئًا فشيئًا، تغيّر شكل الاجتماعات. لم تعد جلسات دفاع عن الأداء، بل ورش تفكير. لم يعد أحد يسأل: لماذا فشلنا؟ بل: ما الذي قد يفشلنا إن لم ننتبه؟ تحولت اللغة من تبرير إلى توقع. من رد فعل إلى استباق.
النتائج لم تتأخر، الأعطال انخفضت، التكاليف استقرت المفاجآت تراجعت. ليس لأنهم أصبحوا أذكى فجأة، بل لأنهم أصبحوا أبكر. والقرار المبكر دائمًا أرخص من القرار المتأخر.
الغريب أن هذا التحول البسيط انعكس على كل شيء، حتى على الروح العامة. الموظفون شعروا بأن العمل أصبح أكثر هدوءًا. لم يعد كل يوم معركة طارئة. صار هناك وقت للتخطيط. للإبداع. للتطوير. حين تختفي الحرائق، يظهر التفكير.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة. المؤسسات والشركات التي تعيش في وضع الطوارئ الدائم تبدو مشغولة جدًا، لكنها في الحقيقة لا تتقدم كثيرًا. والمؤسسات والشركات التي تعمل بهدوء واستباق تبدو أقل ضجيجًا، لكنها تبني مستقبلًا متماسكًا.
لحظة الإدراك إذًا ليست تقنية. ليست لوحة بيانات ولا ذكاء اصطناعي. هي لحظة وعي. لحظة تفهم فيها أن كثرة المعلومات لا تعني الفهم، وأن الخبرة وحدها قد تخدع، وأن الحدس مهما كان قويًا يظل معرضًا للخطأ. البيانات لا تستبدل الإنسان، لكنها تحميه من نفسه.
حين تصل إلى هذه القناعة، تبدأ برؤية العالم بطريقة مختلفة. كل رقم يصبح إشارة. كل نمط يحمل قصة. كل انحراف بسيط قد يكون مقدمة لشيء أكبر. تبدأ في قراءة ما بين السطور، لا السطور فقط.
وتدريجيًا، يتحول دور القائد. لم يعد رجل الإطفاء الذي يظهر في اللحظة الأخيرة لينقذ الموقف. بل مهندس نظام الشركة الذي يمنع اشتعال النار أصلًا. البطولة تتحول من رد الفعل إلى الوقاية. من الظهور المتأخر إلى التدخل المبكر.
في النهاية، تدرك أن القيادة ليست القدرة على حل المشكلات، بل القدرة على تقليل عددها. ليست الشجاعة في مواجهة الأزمات، بل الحكمة في منعها. ليست كثرة الاجتماعات، بل جودة الأسئلة. كل هذا يبدأ بلحظة واحدة لحظة صادقة. لحظة تقول فيها: ربما نحن ننظر في الاتجاه الخطأ.
من هناك يبدأ الطريق. طريق أقل صخبًا، لكنه أكثر استقرارًا. طريق يجعل المؤسسة لا تطارد الأحداث، بل تمشي أمامها. لا تنتظر المستقبل، بل تصنعه.
ولعل أجمل ما في لحظة الإدراك أنها بسيطة جدًا. لا تحتاج ميزانية ولا قرارًا. تحتاج فقط شجاعة أن تعترف بأن ما اعتدته لم يعد كافيًا. وأن النجاح السابق لا يضمن نجاح الغد. وأن العالم يتغير أسرع مما نتصور.
حين تصل لهذه القناعة، لن تعود التقارير مجرد أوراق، بل أدوات استشعار.
لن تعود الأرقام ذكريات، بل احتمالات. لن يعود الاجتماع مراجعة للماضي، بل ورشة لصناعة المستقبل.
ومن تلك اللحظة تحديدًا، تعرف أنك لم تعد تدير مؤسسة أو شركة.. بل تقودها.
وهذا هو الفرق كله.