ناصر حسين سناده
في أمسية هادئة من أمسيات الرياض الرائعة، تحت الجسر المعلق بوادي حنيفة، في بدايات الشتاء، كنت أسمر مع بعض الأصدقاء السعوديين، وكان الطقس لطيفًا، بينما كانت السماء لا تزال صافية.
وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث، أسمعنا أحدهم أبياتًا من قصيدة الأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن «رحمه الله»، التي تقول كلماتها:
أنا من هالأرض.. طهرت بجبهتي خدي
وجيـت أدور في رمالـك عن أثـر جدي
وعن كل سالفة كانت على جدي
كان معظم كلامنا يدور حول المملكة، وهو حديث عذب ذو شجون، وله طعم آخر، كطعم تلك الأيام البعيدة، لكن أحد الأصدقاء قال كلامًا لم أستوعبه لحظتها، إذ قال؛ «في البدء كانت بذرة، والبذرة غرست في الأرض، فأخرجت ساقًا، والساق نمت فيها فروعًا، والفروع انبثقت منها أغصان وأوراق خضراء، ثم أثمرت الشجرة، وأصبحت لها قطوف دانية». حاولت جاهدًا أن التقط بعض الكلمات «المفتاحية» عن هذه الأمسية حول فسيفساء المملكة الثقافية، فالجلسةُ لم تكن مجرد سمرٍ عابر، والحديث عن المملكة لم يكن مجرد استحضار للذكريات، بل كان استبصاراً لـ»بذرة» قديمة غُرست بيقين، فنمت وتفرعت حتى غدت اليوم شجرةً وارفة تظلل الأحلام، التي باتت قريبة المنال.
أدركتُ لاحقًا أن تلك «البذرة» التي عناها صديقي لم تكن مجرد استعارة، بل كان كلامًا عميقًا يرمز لحقيقة المملكة العظيمة؛ إذا توافق كلامه مع جملة تقول؛ «إن أعظم الأشجار كانت يوماً ما مجرد بذرة سقطت في مكان ما، وقررت ألا تستسلم». ثم خامرتني لحظة، تذكرت فيها أنني كنت أتمشي ذات مرة بممر أشجار النخل، بوادي حنيفة، القريب من قلب الرياض النابض، تحت الجسر المعلق، عندما هطل مطرٌ خفيف، وظل مستمرًا إلى أن سال الماء دفاقًا، مما جعل الأشجار تورف لاحقًا، وتمتد ظلالها في الصيف لتصبح ملاذًا لتنشق الهواء، لأهل الرياض والمقيمين فيها.
وقفت أرنو إلى وادي حنيفة الذي بقي شاهدًا حيًا على عبقرية المكان، فتراءت لي أغصان تلك الشجرة تطال السماء البعيدة، بينما جذورها تضرب في عمق التاريخ فخراً، بسبب «بذرة الطموح» التي سقيت بالقيم وغذيت بالتقاليد الرصينة.
إن مسيرة المملكة يا سادتي، لا تبدو لي مجرد أرقامٍ في سجلات النهضة فحسب، بل هي قصةُ أمةٍ تصون أمانة الأجداد بمدادٍ من نور، وتبرهن للعالم أن من يملك الإرادة يملك المستقبل، وأن كل شجرةٍ عظيمةٍ في المملكة كانت يوماً بذرةً أبية، أبت إلا أن تورق مجداً.»