فاطمة آل مبارك
بينما تسابق المملكة الزمن لتحقيق مستهدفات رؤية 2030 في بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي، تبرز في الأفق ظاهرة ديموغرافية تتطلب وقفة تأمل عميقة، فالتراجع الهيكلي لمعدلات الزواج يمثل معضلة إستراتيجية تمس صلب رأس المال البشري الذي نراهن عليه للمستقبل، إن الزواج ليس مجرد عقد اجتماعي، بل هو النواة الأولى والوحدة الأعمق أثراً في الاستقرار الوطني.
وتتجاوز حقيقته الأبعاد القيمية والدينية لتصل إلى جوهر الأمن القومي واستدامة البنية السكانية.
واليوم، تواجه هذه المؤسسة خللاً يمس جوهر وظيفتها، متمثلاً في الارتفاع المطرد في متوسط سن الزواج، وتراجع الإقبال عليه، وما يصاحب ذلك من انخفاض تدريجي في معدلات النمو السكاني.
وهو واقع يفرض ضرورة صياغة رؤية وطنية شاملة قادرة على تشخيص التحولات الراهنة وبناء حلول مستدامة تحمي مستقبل المجتمع، يزداد المشهد تعقيداً مع تفشي ممارسات التوفيق غير المنظمة، حيث ينشط أفراد تحت مسميات وهمية كـ «الخطابات» أو «وسطاء الزواج» الزائفين.
إن غياب التنظيم المؤسسي وتفريغ العملية من الحوكمة أفسح المجال للتلاعب بالحقوق، مما حوّل التوفيق من رسالة اجتماعية سامية إلى ممارسة تنطوي على مخاطر مالية وأخلاقية، ولا يقتصر أثر ذلك على تعميق حالة التردد لدى المقبلين على الزواج، بل يقوّض الجهود الجادة لمعالجة الظاهرة، الأمر الذي يستدعي إيجاد إطار مؤسسي رسمي يحكم هذه العملية وفق معايير مهنية وأخلاقية تعيد الثقة لهذه الوساطة الحيوية.
إن ما نرقبه اليوم من التحولات البنيوية التي يشهدها المجتمع تتجاوز كونها تغيرات رقمية، إذ تعيد تشكيل الهوية المجتمعية وتضعنا أمام مفترق طرق تاريخي.
فتقلص قاعدة القوى العاملة الوطنية يؤدي إلى ضغوط متزايدة على كفاءة القطاعات الحيوية، كما أن ارتفاع نسبة الإعالة نتيجة زيادة أعداد كبار السن مقابل العاملين يفرض أعباء متصاعدة على الموارد المالية، ويدفع نحو إعادة توجيه الإنفاق العام لمواجهة الأمراض المزمنة ومتطلبات الرعاية طويلة الأمد.
وفي المقابل، قد يسهم الاعتماد على العمالة الوافدة في سد الفجوة مؤقتاً، لكنه يخلق خللاً في ديناميكية التوطين والسيادة الاقتصادية.
وخلف هذه الأرقام الاقتصادية، تكمن أزمة إنسانية أعمق حيث يتلاشى مفهوم الأسرة الممتدة والتماسك التقليدي لصالح «جزر منعزلة» من الأفراد، مما يضعف شبكات الدعم الاجتماعي التلقائية ويؤدي إلى «اغتراب اجتماعي» يزيد من معدلات القلق والوحدة نتيجة فقدان الحماية النفسية التي كانت توفرها الأسرة، وتجاهل هذه التحولات يقود حتماً إلى «شتاء ديموغرافي» ذي تكلفة مؤجلة تتضاعف مع الزمن، ويهدد بنية الأسرة بوصفها الناقل الأول للقيم والهوية.
وبما أن الخلل بات يمس «البنية» التحتية للاستقرار الاجتماعي، فإن ذلك يستوجب «إعادة هندسة» شاملة للسياسات والحوافز لتتوافق مع الواقع الجديد، وتبني مسار وطني متكامل ينتقل من المعالجات المؤقتة إلى حزمة من السياسات المتكاملة لتفتت العقبات المادية، ويشمل هذا المسار ثلاثة ركائز أساسية أولاً، الدعم الهيكلي عبر تيسير الزواج من خلال سياسات سكنية مرنة وحوافز مادية مدروسة تستهدف حديثي الزواج لتقليل التكاليف المادية المرتبطة بالارتباط. والحد من الممارسات الاجتماعية وتكاليف حفلات الزواج التي ترفع التكلفة الاقتصادية للارتباط دون مردود اجتماعي حقيقي، بما يتطلب تدخلاً تنظيمياً ومجتمعياً يعيد ضبط هذه الممارسات ضمن أولويات الاستقرار الأسري والتنمية الاجتماعية.
ثانياً، الحوكمة الرقمية عبر تأسيس منصة رسمية للتوفيق بإشراف حكومي مباشر، لقطع الطريق على الممارسات غير المنضبطة وضمان أمن البيانات والخصوصية وأخيراً، إعادة صياغة الخطاب من خلال تفعيل دور الإعلام والتعليم لتقديم الزواج كمؤسسة تنموية واستثمار اجتماعي لا كعبء مادي، مع مواءمة هذه السياسات مع مستهدفات جودة الحياة.
صفوة القول: استقرار الأمم، كما أكد ابن خلدون، يرتبط حصراً بقوة الأسرة وترابط بنيتها الاجتماعية. واليوم، نضع هذا الملف أمام صناع القرار كأولوية قصوى تتجاوز الشأن الاجتماعي لتلامس الأمن الوطني الشامل فالتعامل مع الزواج كمؤسسة وطنية إستراتيجية هو الضمان الوحيد لاستدامة النمو الاقتصادي والحفاظ على التوازن الديموغرافي.
إننا أمام إنذار مبكر لا يحتمل التأجيل، مما يستوجب تحويل هذه المقترحات إلى برامج تنفيذية تحمي «الخلية الأولى» للمجتمع، وتضمن مستقبلاً تزدهر فيه أجيالنا، وتصان فيه هويتنا، وتستدام فيه ريادتنا الوطنية.