نجلاء العتيبي
حول شَبَّة النار، حيث تستقر الجمرات بسكونٍ متزنٍ، ويُغلّف ليلُ الشتاء المكانَ بهدوء عميق، تتسلَّل رائحة القهوة السعودية كإعلان غير منطوق عن حضور الهوية.
ذلك المشهد لا يُقرأ بعينٍ سطحيةٍ، بل يُفهَم بقلبٍ يُدرك أن التفاصيل الصغيرة تصنعُ الفارق بين أُمَّة تحفظ ذاتها وأخرى تذوب دون مقاومة؛ فالنار هنا ليست دفئًا فقط، والليل ليس زمنًا ساكنًا، والقهوة ليست شرابًا معتادًا، ولكنها منظومة قيم متكاملة تتجسَّد في لحظة واحدة.
دار حديثٌ ذو شجون، حديثٌ لا تُثيره المجاملات، ولكن يفرضه القلق الصادق على ما نتركه لمن بعدنا.
فالهوية ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا زينة تُستدَعى في المناسبات، ولكنها ممارسة يومية تبدأ من أبسط السلوكيات: طريقة الجلوس، أسلوب الحديث، احترام الكبير، تقدير المكان، وضبط العلاقة مع الموروث، فكلها عناصر تُحدّد إن كنا نحفظ أنفسنا أو نُفرّط فيها بصمتٍ.
فالمحافظة على الهوية مسؤولية وعي، وليست مهمة مؤقتة، هي اختيار دائم بين السهل والأصيل، بين التقليد الأعمى والفهم العميق، والأجيال القادمة لن تتعلَّم الانتماء من الخُطب، ولكن من المشاهد المتكررة التي تعيشها، فحين ترى انسجام الفعل مع القيم يترسَّخ المعنى دون شرحٍ، ويثبت الأصل دون صراعٍ.
القهوة السعودية في هذا السياق تتحوَّل إلى درس متكامل، تحميصها، إعدادها، تقديمها، واحترام ترتيبها، جميعها أفعال تُعلّم الصبر، والالتزام، والتواضع، والكرم المتزن.
وهي تربية غير مباشرة على معنى الانتماء، وتذكير بأن الهوية تُمارس ولا تُستعرَض، كذلك شَبَّة النار تجمع دون ضجيج، تفتح باب الحوار دون استعراضٍ، وتُؤكّد أن الاجتماع قيمة لا تحتاج بهرجة.
الهوية الحقيقية لا تخاف الانفتاح؛ لأنها تعرفُ حدودها.
مَن يمتلك جذوره يتحرَّك بثقةٍ، ويأخذ من العالم دون أن يفقد ملامحه.
أما من يُفرّط في تفاصيله الأولى، فيعيش قلق التقليد، ويتنقل بين صورٍ مستعارةٍ؛ باحثًا عن شعور الارتباط لا يجده.
وأخطر ما يواجه الهوية هو التهاون لا المواجهة فحين تُهمَل التفاصيل يتآكل المعنى تدريجيًّا حتى يصبح الأصل ذكرى بعيدة، وحين تُصان الجزئيات يبقى الكيان متماسكًا مهما تغيَّرت الظروف.
لذلك مسؤوليتنا اليوم ليست الحنين للماضي والتوجد، بل تحويله إلى سلوك حاضر.
أن نورث أبناءنا احترام العادات، لا بوصفها قيودًا، ولكن باعتبارها بوصلةً، أن نعلمهم الاعتزاز دون تعالٍ، والانفتاح دون ذوبانٍ، والتجديد دون قطيعةٍ؛ فالهويات التي تُزرع في الممارسة اليومية لا تنقرضُ، والذاكرة التي تُحفظ بالصدق تظلُّ مُتَّقدة كجمرٍ ثابتٍ يُضيء الطريق للأجيال القادمة دون أن يحترق.
ضوء:
«لا تُورِّث أبناءك الكلام عن الهوية، ورِّثهم ممارستها».