د. هبة توفيق أبو عيادة
تُعدّ الجرأة إحدى أكثر السمات القيادية إثارةً للإعجاب، فهي الشرارة الأولى التي تُشعل التحول في المؤسسة، وتكسر جمود الواقع المعاش، وتفتح نافذة الأمل للفريق حين يبدو الأفق مسدودًا.
فالجرأة هي القرار الذي يُتخذ في لحظة مفصلية، حين يتردد الآخرون، وهي القدرة على المخاطرة المحسوبة، والخروج من دائرة المألوف، ومواجهة النقد والخوف معًا.
غير أن الجرأة، على أهميتها، تظل فعلًا لحظيًا بطبيعتها؛ فهي لا تصنع لحظة تاريخية، ولا تضمن بالضرورة استدامة الأثر؛ إنما رد فعل لحظي على إنجاز غير متوقع. إذ إن كثيرًا من المؤسسات وُلدت من رحم قرار جريء، أو فكرة صادمة، أو قائد امتلك شجاعة الذهاب عكس التيار، لكن عددًا غير قليل منها تعثّر لاحقًا لأن الجرأة لم تُستكمل بمنظومة حاكمة تضبط المسار وتحمي الفكرة من الانهيار.
فالجرأة وحدها قد تُحدث اختراقًا، لكنها إذا لم تُؤطّر بعقل مؤسسي حكيم، فإنها تتحول إلى مغامرة غير محسوبة، أو إلى بطولة فردية قصيرة العمر. ومن هنا، فإن الإشكالية لا تكمن في الجرأة ذاتها، بل في تحويلها من اندفاعة شخصية إلى قيمة مؤسسية قابلة للتكرار، ومن قرار استثنائي إلى ممارسة واعية تخدم الرؤية طويلة المدى.
في المقابل، تأتي الحوكمة بوصفها البنية العميقة التي تُبقي المؤسسة واقفة على قدميها مهما تغيّرت القيادات والظروف، فهي فرؤية استراتيجية بأطر مؤسسية تمتاز بالشفافية والمساءلة والحكمة بغض النظر عن الأفراد. فالحوكمة لا تصنع العناوين العريضة، ولا تجذب الأضواء، بل تعمل في العمق؛ وتنظّم الصلاحيات، وتحدد المسؤوليات، وتبني منظومة مساءلة عادلة، وتخلق توازنًا بين الحرية والانضباط، وبين الابتكار والالتزام.
فالحوكمة هي التي تحمي المؤسسة من تقلبات المزاج القيادي، ومن فوضى القرارات الارتجالية، ومن تضارب المصالح. ومن دون الحوكمة، تصبح الجرأة عبئًا لا طاقة للمؤسسة به، وتتحول القرارات الجريئة إلى سوابق خطرة يصعب ضبطها أو تصحيحها. الحوكمة، في جوهرها، ليست عائقًا أمام الإبداع كما يُتصوّر أحيانًا، بل هي الإطار الذي يسمح للإبداع بأن يستمر دون أن يتحول إلى فوضى.
إنها الضمانة الأخلاقية والتنظيمية التي تجعل النجاح قابلًا للاستدامة، وتحوّل الإنجاز من حدث عابر إلى ثقافة راسخة. ولذلك، فإن المؤسسات الناضجة لا تراهن على شجاعة الأفراد بقدر ما تراهن على سلامة النظم، ولا تحتفل فقط بالقرارات الجريئة، بل تسأل دائمًا: كيف نضمن أن هذا القرار يخدم المؤسسة اليوم وغدًا؟
إن التحدي الحقيقي في عالم القيادة المعاصرة لا يتمثل في الاختيار بين الجرأة والحوكمة، بل في تحقيق التوازن الرشيد الخلّاق بينهما. فالجرأة بلا حوكمة تهور، والحوكمة بلا جرأة جمود. والقائد الواعي هو من يمتلك الشجاعة ليبادر، والحكمة ليُؤسّس، والقدرة على الانتقال من منطق اللحظة إلى منطق المؤسسة.
فالتاريخ لا يتذكر فقط من اتخذ قرارًا جريئًا، بل يتذكر من بنى كيانًا استراتيجيًا قادرًا على الاستمرار بعده. والمؤسسات التي تعيش طويلًا هي تلك التي تسمح بالجرأة داخل إطار حاكم، وتُشجّع المبادرة دون أن تتنازل عن المعايير، وتمنح القادة مساحة للحلم دون أن تفرّط في الانضباط. هكذا فقط تتحول الجرأة من مجرّد لحظة لامعة إلى مسار استراتيجي، وتتحول الحوكمة من لوائح جامدة إلى حاضنة ذكية للقرار الجريء. وفي عالم سريع التغير، تصبح المعادلة واضحة: اللحظات تصنعها الجرأة، أما المستقبل فتصنعه الحوكمة.