جانبي فروقة
لو كبرت في تسعينيات القرن الماضي أو أوائل الألفية فثمة صورة محفورة في ذاكرتك الجماعية وهي هرم غذائي ملوّن يتربع الخبز والأرز والمعكرونة في قاعدته العريضة بينما تطل الدهون بخجل من قمته المستدقة، فقد كانت الرسالة الموجهة إلينا حينها صريحة وبسيطة: «كُل الكثير من النشويات، خفّف الدهون، وستكون بخير» ولسنوات طويلة اعتُبرت هذه المعادلة مقدسة وممهورة بختم العلم الرسمي لكن مع انفجار معدلات السمنة والسكري واضطرابات الأيض بدأنا ندرك أن تلك الخريطة لم تكن تقودنا نحو الصحة بل ربما نحو أزمة صحية عالمية.
لم يكن الهرم الغذائي، الذي أطلقته وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) عام 1992 مؤامرة لتمريض الناس بل كان وليد سياقه التاريخي فبعد عقود من الحروب كان الهدف تأمين سعرات حرارية رخيصة ومتوفرة للجميع وبما أن الدهون كانت هي «المشتبه به الأول» في أمراض القلب آنذاك بدا منطقياً دفع الناس نحو الحبوب ولكن المشكلة الجوهرية لم تكمن في الكربوهيدرات بحد ذاتها بل في «التعميم» حيث وضع الهرم كل الحبوب في سلة واحدة دون تفريق حاسم بين الحبوب الكاملة وبين المنتجات المكررة وفائقة المعالجة (Ultra processed Food) وهنا دخلت الصناعة الغذائية على الخط فاستبدلت الدهون «العدو» بالسكر والنشا والمحسنات لتقديم منتجات «قليلة الدسم» لكنها فائقة المعالجة (الأطعمة فائقة المعالجة (Ultra-processed foods) هي منتجات صناعية جاهزة للأكل تُصنع من مواد مستخلصة من الغذاء كالزيوت المهدرجة والسكريات المضافة مع مزيج من الملونات والمحسنات الكيميائية لتعزيز النكهة وإطالة مدة الصلاحية) وهنا تدخلت السياسة في طبخ أطباقنا، فخلف الستار لم يكن العلم وحده هو المحرك حيث إن وزارة الزراعة الأمريكية كانت تعيش صراعاً داخلياً بين مسؤوليتها عن صحة المستهلك ومسؤوليتها أيضا عن تسويق فائض الإنتاج الزراعي من قمح وذرة وألبان وضغطت لوبيات (مجموعات الضغط) الحبوب لتوسيع القاعدة لضمان مبيعات هائلة وضمنت صناعة الألبان مكاناً ثابتاً في كل وجبة متجاهلة حقيقة أن الكثير من البشر وخاصة في المنطقة العربية لديهم حساسية من اللاكتوز وتم تشذيب العلم ليتناسب مع مصالح الشركات العملاقة والنتيجة كانت كارثية حيث وصل نسبة السمنة المفرطة في أمريكا وحدها إلى 40 % وباتت أمراض القلب هي السبب الرئيسي للوفاة في أمريكا.
في عام 2011 م حدث الانقلاب الصحي من الهرم إلى الطبق حيث أحدثت الإدارة الأمريكية تحولاً جذرياً باستبدال الهرم بنموذج «طبقي» (MyPlate) وهو لم يكن تغييراً في الشكل فحسب بل في الفلسفة الغذائية: من حيث سيادة الخضروات فقد أصبحت الخضروات والفواكه تشكل نصف الطبق منهيةً السيطرة المطلقة للمعكرونة والخبز الأبيض ومن حيث النوعية قبل الكمية فقد انتقل التركيز إلى الحبوب الكاملة والبروتينات والدهون الذكية بعيداً عن شيطنة الدهون بالجملة ومن حيث المرونة فقد تحول السؤال من «كم حصة يجب أن آكل؟» إلى «ماذا أضع في طبقي الآن؟»
واليوم أغلب الناس ما زالت عالقة في فخ الطعام الفائق المعالجة وتعيش حالة توهان ورأينا كيف استبدل «السمن البلدي» بزيوت نباتية مكررة والفواكه الطبيعية بعصائر معلبة مليئة بالسكر والأخطر في «الأطعمة فائقة المعالجة» التي تشكل اليوم جزءاً كبيراً من غذائنا، فرغم أن 57 % من الناس يرون أنها ضارة إلا أن 82 % يستهلكونها فعلياً بداعي الراحة وسهولة التحضير.
وعلى سبيل المثال باتت الوجبة السريعة «صندوق أسود» من المكونات المخفية فخبز البرجر فيها يحتوي على نسب عالية من السكر وشراب الذرة، والزيوت تتحول بالحرارة إلى دهون متحولة تسبب الالتهابات.
يتجاوز الغذاء كونه مجرد «وقود» أو سعرات حرارية إلى اعتباره «لغة كيميائية» تخاطب أجهزتنا الحيوية مباشرة وهذا ما يعرف بكيمياء الجسد وهو يحدث عندما يتحول الطعام إلى رسائل هرمونية ، وإليك بعض الأمثلة عن كيفية إعادة الأطعمة الحديثة صياغة نظامنا الهرموني كما في فخ الكورتيزول (التوتر السائل) حيث تعمل مشروبات الطاقة عبر كوكتيل الكافيين والتورين على وضع جسمك في حالة «كر وفر» دائمة وهذا الاستنفار يرفع هرمون الكورتيزول، مما يترجم داخلياً إلى قلق وارتجاف غير مبرر. وهناك خديعة الأنسولين فعن طريق الحبوب المكررة والسكريات المخفية في الأطعمة فائقة المعالجة تسبب صدمة الأنسولين عبر رفعه لمستويات قياسية بسرعة وهذا التذبذب الحاد يُفقدك استقرارك الهرموني ويقودك لدوامة من الجوع المتكرر وهناك أيضا إدمان الدوبامين والشبع الوهمي فعندما تستخدم الصناعة محسنات نكهة مثل MSG (أحادي غلوتامات الصوديوم) لترسل رسائل عصبية مضللة للدماغ توحي بلذة فائقة فإن هذه المواد تخرّب إشارات الشبع الفطرية مما يدفعك لالتهام كميات تفوق حاجتك الحقيقية وهناك مؤامرة الأدينوزين حيث أن الكافيين لا يمنحك طاقة حقيقية، بل يقوم بـ»قرصنة» دماغك عبر حجب مادة الأدينوزين والنتيجة: أنت لا تشعر بالتعب لكن جسمك في الحقيقة يستغيث تحت وطأة الإرهاق الصامت.
الدرس المهم اليوم لننجو في غابة الغذاء الحديثة التي تحيط بنا ليس استبدال المثلث (الهرم) بالدائرة (الطبق) بل هو النقد المستمر لكل ما يدخل أمعاءنا وبعض النصائح التي وردت في التقارير تحثنا إلى العودة إلى الجذور حيث أثبتت حمية البحر المتوسط (زيت زيتون، بقوليات، خضروات موسمية) التي مارسها الأجداد أنها أصح من أي هرم حكومي مستورد وأيضا تحدي المصنع فكلما زاد عدد المكونات التي لا تستطيع نطق اسمها على العلبة كانت علاقتك بها أخطر والنصيحة الأكبر هي استمع لجسدك فشعورك بالنشاط أو الخمول بعد الأكل هو الحقيقة الوحيدة التي تفوق أي رسم توضيحي.
يمثل اليوم جيل زي Z (الفئة العمرية من 18 إلى 34 عاما) المحرك الأساسي لهذا التغيير فهو جيل نشأ في وفرة معلوماتية ويربط طعامه بالهوية والبيئة والوعي النفسي وهذا الجيل لا يريد دليلاً سلطوياً ، بل يريد فهماً مرناً فهو الجيل الذي بدأ يسأل عن مصدر الطعام ويقرأ الملصقات بعناية مدركاً أن الصحة ليست مجرد أرقام وسعرات بل هي علاقة واعية مع الجسد والمعركة القادمة ليست على الأرض بل هي في أمعائك.
** **
- كاتب أمريكي