د.أمل بنت محمد التميمي
سعدتُ بحضور حفل تدشين كتاب (نوف) الذي يوثّق سيرة صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الذي أُقيم مساء (السبت 7 فبراير 2026م الموافق 19 شعبان 1447ه) عند الساعة السابعة والنصف مساءً وذلك في قاعة نيارة، برعاية كلٍّ من جمعية بنيان للتنمية الاجتماعية وجمعية كبار السن، بحضور عددٍ من أصحاب السمو من الأسرة المالكة، ومعالي الأستاذات، ونخبة من الأكاديميات والمهتمين بالشأن الثقافي. جاء الحفل في مشهدٍ مهيب يليق بتكريم شخصيةٍ رحلت وبقي أثرها، حيث ساد المكان شعور بالوقار والامتنان، واستُحضرت السيرة بوصفها ذاكرةً إنسانية ووطنية، لا مجرد مناسبة احتفالية. كان التكريم فعلَ وفاءٍ لامرأةٍ تركت بصمتها في حياة من عرفوها، وتجسيدًا لمعنى الاستمرار الرمزي للأثر بعد الرحيل، في لحظةٍ جمعت بين الاحترام، والدعاء، واستحضار القيم التي ارتبطت باسمها.
وتأتي هذه الإشارة إلى التدشين بوصفها مدخلًا لقراءة متأنية في الكتاب، لا تقريرًا عن الحدث، إذ تنصرف المقالة إلى تحليل منهج الكتاب وبنائه السردي ودلالته ضمن مسار السيرة الملكية في الأدب السعودي.
تتناول هذه المقالة السير الملكية في الأدب السعودي بوصفها مسارًا كتابيًا بدأ يثبت حضوره في المشهد الثقافي والأدبي والنقدي، ويتجاوز حدود التوثيق التاريخي إلى بناء سردي يعتني بالشخصية وأثرها الاجتماعي والإنساني. وقد تنبّه القارئ في السنوات الأخيرة إلى هذا المسار من خلال عدد من الإصدارات التي اختارت كتابة سِيَر شخصيات ملكية بلغة أدبية رصينة، من بينها تدشين كتاب (عند الرهان تُعرَف السوابق: الأميرة نورة بنت محمد بن سعود بن عبد الرحمن آل سعود)، من تأليف عزيزة بنت عبد العزيز المانع، الصادر عام 2025م، والذي دُشّن في نادي النَّوَى ضمن برنامج الشريك الأدبي، وذلك في 7 ديسمبر 2025م، ممثّلًا خطوة لافتة في مسار الاهتمام بكتابة السير الملكية في الأدب السعودي. والذي مثّل خطوة لافتة في هذا الاتجاه.
واليوم يتعزز هذا المسار بتدشين كتاب (نوف)، الذي يوثق سيرة صاحبة السمو الملكي نوف بنت عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، في دلالة واضحة على تنامي الاهتمام بالسيرة الملكية بوصفها جزءًا من كتابة الذاكرة الوطنية. ومن هنا تسعى المقالة إلى تأكيد هذا التنامي، والتنبيه إلى أهمية الإقبال على هذا النوع من الكتابة، بوصفه مجالًا معرفيًا وأدبيًا يستحق مزيدًا من العناية والبحث.
تعمل عتبات كتاب (نوف) مجتمعةً بوصفها منظومة دلالية متماسكة تُعلن سياسة الكتاب قبل الدخول في متنه. فالغلاف الأمامي، باكتفائه بالاسم المفرد (نوف) دون لقب أو توصيف جنسي للكتاب، ومع هيمنة اللون الأخضر، يؤسس لاستراتيجية تعليق الهوية وتأجيل التصنيف، ويضع القارئ أمام اسمٍ مجرد يُترك معناه ليتشكّل عبر القراءة لا عبر العنوان. ويأتي الإهداء بوصفه أول كشف دلالي في الكتاب، بل الوثيقة الوحيدة التي تُصرّح بالهوية كاملة، من خلال العبارة: «إلى كل من عرف صاحبة السمو الملكي الأميرة نوف بنت عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ومن أحبها»، حيث لا يُقدَّم التعريف بوصفه معلومة توثيقية، بل إحالة وجدانية تربط السيرة بدائرة المعرفة والمحبة، وتؤكد أن النص موجّه إلى الذاكرة الجمعية قبل القارئ العام. أما الغلاف الخلفي، فيؤدي وظيفة مختلفة تمامًا، إذ يقدّم تعريفًا نقطيًا مباشرًا بالمؤلفة، يركّز على سيرتها الأكاديمية والمهنية دون توسّع أو تداخل مع موضوع السيرة، بما يضبط أفق التلقي ويثبّت المرجعية العلمية للكتاب، ويُكمل هذا الضبط تنويهُ تخصيص ريع الكتاب لصالح جمعية بنيان الخيرية، ليصل بين السيرة وفعلها الاجتماعي. وبهذا الترتيب، لا تعمل العتبات بوصفها عناصر شكلية، بل كآلية سردية واعية: تُعلّق الهوية أولًا، ثم تكشفها وجدانيًا، ثم تضبطها معرفيًا، في انسجام واضح مع منهج الكتاب القائم على الشهادة والذاكرة وضبط القول.
لا تبدو اختيارات كتاب نوف في الغلاف والصفحات الأولى اعتباطية أو ناتجة عن نزوع جمالي فحسب، بل تكشف عن استراتيجية سردية واعية تقوم على تأجيل الهوية وتعليق التصنيف. فالاكتفاء بالاسم المفرد (نوف)، مقرونًا بغياب أي توصيف جنسي للكتاب أو تعريف بالمؤلفة، لا يؤسس عنوان الكتاب منذ البداية لكون النص موجّهًا إلى الذاكرة الجمعية أكثر من كونه كتاب ولا يشير إلى أنه سيرة تقليدية موجهة إلى قارئ عام. بهذا المعنى، تعمل العتبات في الكتاب لا كمداخل تفسيرية، بل كمساحات صمت محسوبة، تُؤجَّل فيها الهوية عمدًا لتُبنى لاحقًا عبر السرد والأثر.
يقع كتاب (نوف) في 307 صفحة، وصدر عام 2026م عن دار كلمات، ويتكوّن من تمهيد وخمسة فصول غير معنونة، إضافة إلى ملحق صور في خاتمة الكتاب. وتعكس هذه البنية اختيارًا واعيًا يبتعد عن التقسيم الموضوعي التقليدي، ويترك للسرد والشهادة تشكيل مسارات القراءة، قبل أن يُحدّد التمهيد سياسة الكتاب ومنهجيته في جمع المادة وبناء السيرة.
يُحدّد التمهيد سياسة الكتاب ومنهجيته بوضوح، انطلاقًا من واقع غياب نصٍّ مكتوب يؤرّخ حياة صاحبة السمو الملكي نوف بنت عبد العزيز آل سعود، الأمر الذي دفع المؤلفة إلى اعتماد الرواية الشفوية بوصفها مصدرًا أساسًا لبناء السيرة. وقد بدأت المنهجية من الدائرة الأقرب، بالتوجّه إلى بناتها وأبنائها، حيث وجدت القبول والمباركة، ثم توسّعت إلى الأقارب من بنات أخواتها وإخوانها من آل سعود. وفي إطار تنظيم المادة، صاغت المؤلفة نص رسالة ووجّهتها إلى نحو ثلاثمئة اسم من الرجال والنساء طلبًا للشهادة، غير أنّ الاستجابات التي وصلتها كانت محدودة ومتكررة في مضمونها، ما استدعى إعادة توجيه مسار الجمع. عندها اتجهت إلى من بقي على قيد الحياة من رفيقات الأميرة أو ممن عملن معها، معتمدة الزيارة المباشرة للبيوت، ومواجهة صعوبة استعادة ذكريات طواها النسيان. وقد نفّذت ثماني زيارات لجيرانها في قصريها بالمعذر والروضة، أسفرت عن مواقف جزئية ذات دلالة. كما وسّعت دائرة المصادر بمراسلة الأحفاد، الذين أمدّوها بمعلومات مهمة أسهمت في سدّ الثغرات. ويؤكد التمهيد أن بناء السيرة لم يعتمد شهادة منفردة، بل قام على تواتر الروايات ومقارنتها، بما يضبط المادة ويحدّ من التحيّز، ويمنح الكتاب إطارًا منهجيًا يقوم على الجمع، والتحقق، والترجيح، ضمن حدود ما تتيحه الذاكرة الشفوية.
يعالج الفصل الأول (ص 13–30) مرحلة المولد والنشأة عبر عناوين داخلية لم تُدرج في الفهرس، ما يمنح المتن قدرة على التفصيل دون إخلال بالبنية العامة. يفتتح الفصل بعنوانٍ دال: «ولو كان النساء كمن فقدنا لفضلت النساء على الرجال»، بوصفه تمهيدًا قيميًا يهيّئ لقراءة سيرة تُبنى على الأثر الاجتماعي والإنساني. ثم ينتقل إلى توثيق الميلاد والنشأة، فيُثبت أن والدة الأميرة هي فهدة بنت العاصي بن شريم الشمري، وأنها أنجبت للملك عبدالعزيز أبناءً من بينهم عبدالله ونوف وصيتة، مع تحديد ميلاد نوف بنت عبدالعزيز آل سعود في الرياض بتاريخ 16/3/1927م.
ويقدّم الفصل تفسيرًا موثّقًا لتسمية (نوف)، مبيّنًا أن الاسم لم يكن متداولًا في أسرة آل سعود آنذاك، وأن اختياره ارتبط بإعجاب فهدة بنت عاصي بـ»نوف الشعلان» التي اشتهرت بجمالها، وهو تفسير يكتسب دلالته السوسيولوجية من تحوّل الحكاية الفردية إلى سبب لانتشار الاسم لاحقًا داخل العائلة المالكة وخارجها؛ بما يؤكد أن شيوع الأسماء في مراحل تاريخية محددة يرتبط بسياقات ثقافية ورمزية لا بالصدفة.
ويعزّز الفصل هذا المنحى التوثيقي، بإيراد جداول إحصائية توثّق أسماء إخوة الأميرة نوف بنت عبدالعزيز من الرجال، وعددهم 37 أميرًا، مع تسجيل تواريخ وفاتهم. وجدولًا آخر يفصّل عدد أخوات الأميرة (26 أختًا) مع تواريخ الوفاة، ويعرض الفصل عددًا من سمات شخصية الأميرة نوف بنت عبدالعزيز من خلال قصص وحكايات ذات طابع أسري، تُبرز قوة علاقتها بأخواتها، ولا سيما بالأميرة صيتة، وصلتها الوثيقة بأخيها الملك عبدالله، وهي علاقات يُرجعها السرد إلى فقدان الأم في سن مبكرة، وما نتج عنه من تماسك الروابط بينهم. وفي هذا السياق، يشير النص إلى زواجها ضمن تسلسل الوقائع الحياتية، ويورد خبر وفاتها المفاجئة في 29/8/2015م، مستكملًا بذلك معالم المرحلة الأولى من السيرة، بذلك يقدّم الفصل نموذجًا لمنهج يجمع بين السرد المحدود والبيان الإحصائي، ويوازن بين الحكاية والتوثيق، مؤسِّسًا قراءة دقيقة لبدايات السيرة ضمن إطار تاريخي مضبوط.
ويقع الفصل الثاني (ص 31–50) على الذكريات الشخصية للمؤلفة نورة الشملان بوصفها مادة أساسية في بناء السرد، إذ تُقدَّم المعرفة بالأميرة نوف بنت عبدالعزيز آل سعود من زاوية الشهادة المباشرة والمعايشة. تبدأ هذه الذاكرة من واقعة التعارف الأولى عام 1983م في جمعية النهضة النسائية، حين كانت الشملان عضوًا في مجلس الإدارة ومن ضمن مستقبلي الأميرة بصفتها راعيةً لحفل خيري، ثم تتوسع لتشمل سياق تأسيس الجمعيات الخيرية في السعودية، وفضاءات الصالونات النسائية التي جمعت سعوديات وأخريات من جنسيات مختلفة. ويُلاحظ في هذا الفصل تداخل السرد الذاتي مع تسجيل العادات الاجتماعية داخل القصر، مثل تقليد تقديم الكبير في الأسرة الحاكمة، وترتيب الجلوس في المجلس، وأدوار العاملين والمربيات، وملابسهم التقليدية. كما تتكرر تفاصيل الضيافة اليومية، من القهوة والبخور إلى مائدة الطعام، حيث تَرِد أسماء الأكلات السعودية في المتن، مع شرحها ومقاديرها في الحواشي، في محاولة لتوثيق العادة لا الاكتفاء بذكرها. ويغلب على الفصل الطابع الوصفي القائم على الذاكرة، دون اعتماد على الجداول أو الوثائق، لينتهي إل ى رسم صورة شخصية للأميرة تستند إلى المشاهدات المباشرة أكثر من اعتمادها على التوثيق الإحصائي.
يقع الفصل الثالث (ص 52–85) في تناول السمات البارزة لشخصية الأميرة نوف بنت عبد العزيز، من خلال رصد برنامجها اليومي وعلاقاتها الاجتماعية، وما اتسمت به من صمود وإيمان، يتجلّى ذلك في مواقف الثبات التي أوردها السرد، ومنها ما ارتبط بأحداث عام 1991م. ويضمّ الفصل شهادات متعددة من الجيران والأقارب لإثبات سمات الكرم والتواضع، مع إيراد نوادر دالّة على عاداتها في العطاء. كما يتوقف عند علاقاتها الإنسانية العابرة للثقافات، مستشهدًا بقصص توثّق حضورها الاجتماعي في مناسبات رسمية وغير رسمية. مع إيراد نوادر دالّة على عاداتها في العطاء، من بينها وضع المال في أوراق المناديل. كما يتوقف عند علاقاتها الإنسانية العابرة للثقافات، مستشهدًا بقصة زيارة كاميلا زوجة الملك تشارلز إلى المملكة، حيث أهدتها الأميرة نوف ثيابًا سعودية و(خلطة نوف)، بوصفها لفتة تحمل دلالة ثقافية وإنسانية. ويبرز الفصل كذلك التلازم اليومي بينها وبين أختها صيتة في السفر والحضر، بوصفه سمة ثابتة في حياتها، إلى جانب إبراز شخصيتها الإيجابية، وميلها إلى التفاؤل والصفح، بما يقدّم صورة متكاملة لملامحها الإنسانية في هذا الطور من السيرة.
يمتدّ الفصل الرابع من الصفحة 87 حتى 262، وهو أكبر فصول الكتاب، ويتّخذ من شهادات الأحبة مادته الأساسية، ولا سيما شهادات الحفيدات والمقرّبات، حيث تُقدَّم السيرة من الداخل العاطفي والأسري. وتأتي هذه الشهادات بصيغة حكايات شخصية تستعيد صورة الجدة، والعلاقة اليومية، وأثرها التربوي والإنساني، بعيدًا عن التوثيق الزمني المباشر. ويغلب على هذا الفصل صوت الذاكرة الحميمية، حيث تتكرّر سمات الرعاية، والاحتواء، والحضور المستمر، بما يحوّل السيرة هنا من تسجيل للوقائع إلى سرد للأثر، ويجعل هذا الفصل مساحة وجدانية تُكمل ما سبق من توثيق، دون أن تنفصل عنه.
يأتي الفصل الخامس والأخير (ص 263–286) مخصّصًا لحضور الشعر في سيرة الأميرة نوف بنت عبد العزيز، حيث يبدأ بإشارة إلى علاقتها بالشعر وتقديرها له، قبل أن يضمّ مجموعة من القصائد التي نُظمت فيها. وتُقدَّم هذه النصوص في فقرات قصيرة، بوصفها شهادات شعرية تعبّر عن الأثر الوجداني الذي تركته في محيطها، وتشكّل امتدادًا سرديًا للسيرة بلغة مختلفة. وبهذا يُغلق الكتاب مساره بالانتقال من الشهادة النثرية إلى التعبير الشعري، بما يعزّز تعدّد الأصوات ويمنح السيرة خاتمة تقوم على الذاكرة الجمالية لا التوثيق المباشر.
وبعد اكتمال مسار الشهادات السردية في فصول الكتاب، ينتقل النص إلى مستوى آخر من التوثيق يتمثّل في ملحق الصور، بوصفه امتدادًا لمنهج السيرة لا مادةً مضافة خارجها. يضمّ الملحق إحدى وثلاثين صورة، ويقدّم خيارًا توثيقيًا لافتًا يقوم على الغياب المتعمّد للصور الشخصية، حيث لا تُستعاد السيرة عبر الملامح، بل عبر المكان والمقتنيات بوصفهما حاملين للأثر. فتُعرض صور القصر من الخارج والداخل، وصوالينه الموثّقة بالألوان، والمجلس العائلي، وفضاءات العيش اليومي، إلى جانب الأدوات الشخصية والرسائل والملابس، بما يحوّل الصورة إلى وثيقة صامتة تُكمِل الشهادة المكتوبة. وبهذا لا يعمل الملحق بوصفه خاتمة بصرية تقليدية، بل كجزء من بناء السيرة، يؤكّد أن الذاكرة يمكن أن تُستعاد عبر الأثر المادي، في انسجام مع المنهج القائم على الشهادة والذاكرة دون الوقوع في الاستعراض البصري.
في ملحق الصور يقدّم خيارًا توثيقيًا لافتًا يتمثّل في غياب الصور الشخصية تمامًا. فلا تظهر أي ملامح بشرية، بل تُستعاد السيرة عبر المكان والمقتنيات بوصفهما حاملين للأثر. يضمّ الملحق صور القصر من الخارج والداخل، وصوالينه الموثّقة بالألوان: الصالون الكبير، والصالون البيج المخصّص لاستقبال ضيوف الأسرة من الرجال، والصالون الأحمر المفضّل للجلوس، إضافة إلى المجلس العائلي المخصّص لاستقبال الأخت صيتة وبناتها، وكرسيها الخاص. كما يشمل صالون الطعام، وأجنحة النوم، وسلالم الدرج، وغرفة النوم بمرآتها، وأدواتها اليومية مثل فرشاة الشعر والشوكة ونموذج الطعام والقلم، إلى جانب رسالة بخط يدها، وفساتين السفر المطرّزة، وغطاء الوجه (الغَطوة)، والنظارات الشمسية والطبية، وعلب الأدوية. بهذا الاختيار، يُحوّل الملحق الصورة إلى وثيقة صامتة تستدلّ على حضور صاحبة السمو الملكي نوف بنت عبدالعزيز آل سعود عبر الأشياء والأمكنة، ويؤكّد أن السيرة يمكن أن تُستعاد بالأثر المادي لا بالصورة الشخصية، بما يعزّز اتساق المنهج القائم على الشهادة والذاكرة دون تحويلها إلى عرض بصري تقليدي.
يُثبت الغلاف الخلفي للكتاب بطاقة تعريفية موجزة بالمؤلفة، حيث تَرِد سيرة نورة بنت صالح بن عبدالمحسن الشملان، أستاذة جامعية من مواليد عنيزة في المملكة العربية ال سعودية، في صياغة تعريفية مباشرة تؤدي وظيفة التوثيق دون توسّع. ويُضاف إلى ذلك تنويهٌ واضح بأن ريع الكتاب مخصّص لصالح جمعية بنيان الخيرية، بما يربط العمل بسياقٍ مجتمعي ويمنحه بعدًا تطبيقيًا يتجاوز النشر إلى الإسهام الاجتماعي، ويؤكد اتساق المشروع مع طبيعته القائمة على الشهادة والوفاء وحفظ الأثر.
تؤكد هذه القراءة أن كتاب نوف يقدّم نموذجًا ناضجًا لكتابة السيرة الملكية في الأدب السعودي، لا بوصفها سردًا تذكاريًا، بل بوصفها توثيقًا معرفيًا لدور الأسرة المالكة في المجال الاجتماعي والتطوعي. فقد أظهر التحليل كيف يمكن لمنهج الشهادة المنضبطة -عبر تواتر الروايات، وتعدّد الأصوات، وربط السرد بالأثر- أن يحفظ الذاكرة ويكشف أدوارًا إنسانية فاعلة أسهمت في تشكيل العمل الخيري والمبادرات الاجتماعية. ومن هنا تفتح المقالة أفقًا عمليًا أمام الباحثين والمهتمين بتوثيق حياة شخصيات من الأسرة المالكة، بوصف هذا التوثيق مسارًا علميًا يحتاج إلى وضوح منهجي، ودقة توثيقية، وتحرّر من الاحتفاء العابر. إنّ الحاجة اليوم ماسة إلى مزيد من هذه السير، المكتوبة باحترافية وعلمية، لتكوين أرشيف معرفي يضيء إسهامات العطاء التطوعي ويضمن استدامة الذاكرة الوطنية، انتظارًا لأعمال قادمة تُراكم هذا المسار وتعمّقه.
** **
- جامعة الملك سعود