أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
يمتلك الحب لغة تنمو في الداخل مع التجربة، وتتشكل عبر الاحتكاك الطويل بالحياة وبالآخر، هذه اللغة تعتمد على كثافة الشعور، وتتكئ على قدرة الإحساس بأن يجد طريقه إلى التعبير، ولو عبر الصمت أو الإيماءة أو الحضور الهادئ.
بلاغة الحب تنبع من هذا العمق الخفي، من لحظة يفهم فيها الإنسان الآخر دون شرح، ومن إحساس يصل قبل العبارة، ومن تواصل يتجاوز ترتيب الجمل، وفي هذه المساحة تصبح العاطفة أصدق وسائل الإقناع، ويغدو القرب الإنساني خطاباً كاملا، يحمل أثره دون حاجة إلى تبرير.
يتكوّن الحب في العادة عبر التفاصيل الصغيرة، نظرة تتكرر، واهتمام يستمر، وحرص يتراكم حتى يصير عادة قلبية، ومع الزمن تتحول هذه التفاصيل إلى نسيج متماسك، يحمل في داخله بلاغته الخاصة، بلاغة تقوم على الألفة، والاستمرارية، والشعور بالأمان الذي ينمو حين يشعر الإنسان أنه مفهوم ومقبول.
وفي عمق هذه البلاغة يحتل الصمت مكانة خاصة، صمتُ الحب امتلاءٌ بالثقة وبالطمأنينة وبالمعرفة المتبادلة، في هذا الصمت تُقال أشياء كثيرة دون كلمات، وتُحسم مسافات طويلة دون نقاش، الصمت هنا يتحوّل إلى لغة مكتملة، وإلى مساحة يتنفّس فيها الشعور بحرّية.
كما تتجلّى بلاغة الحب في قدرته على التخفّف، فمع نضج التجربة تقلّ الحاجة إلى الشرح، وتخفّ الرغبة في الإقناع، ويحلّ محلها حضور هادئ، هذا الحضور يحمل أثراً أعمق من الخطاب الطويل؛ لأنه صادر عن تجربة عاشت ما يكفي، وتعلّمت ما يكفي، وأدركت أن العاطفة الصادقة لا تحتاج إلى استعراض.
ويزداد هذا العمق حين يمرّ الحب بمحطات الاختبار من انتظار وبُعد وحنين وقلق، كلها عناصر تصقل اللغة الداخلية للحب، وتمنحها نبرة أكثر رهافة، بعد هذه التجارب يصبح الحب أكثر اقتصاداً في التعبير، ودقةً في الإشارة، وقدرةً على الوصول دون عناء، في هذه المرحلة تتحوّل العاطفة إلى خبرة، ويتحوّل الشعور إلى وعي.
بلاغة الحب في جوهرها بلاغة إنسانية؛ لأنها تمسّ جوهر العلاقة بين الناس، لا تنفصل عن التعاطف، ولا عن الرغبة في الفهم، ولا عن الاستعداد للمشاركة، من هنا تأتي قوتها، قوة ناعمة هادئة، بعيدة عن الادّعاء، قادرة على البقاء، فالكلمات قد تخفُت، والمواقف قد تتغير، غير أنَّ الأثر الذي يتركه الحب الصادق يظل حاضراً في الذاكرة والوجدان.
في هذا السياق، يصبح الحب طريقة في العيش، لا حالة عاطفية مؤقتة، يصبح طريقة في الإصغاء والاهتمام ومراعاة الآخر، هذه الطريقة تمنح البلاغة بُعدها الأعمق؛ لأنها تنبع من الفعل اليومي، ومن السلوك، ومن الاستمرارية، وحين تتطابق العاطفة مع الفعل، يكتسب الحب صدقيته، وتبلغ بلاغته ذروتها.
يمكن النظر إلى بلاغة الحب بوصفها أرقى أشكال التعبير الإنساني، تعبير لا يحتاج إلى زينة لغوية، ولا إلى بناء خطابي معقد، يكفيه أن يكون نابعاً من القلب، ومتسقاً مع الحياة، وصادقاً مع التجربة، عندها يصل أثره ويستقر، ويظل قادراً على ملامسة القلوب حتى بعد أن تهدأ الكلمات.