م. عبدالإله الطويان
الأفكار هي ثمرات تشغيل العقل، والتفكير -كما يصفه علماء الدماغ- انطلاقًا من معلوم من أجل الوصول إلى مجهول. وكما أن العين، مهما كانت سليمة وجيدة، لا ترى الأشياء إلا إذا غمرها النور، فإن العقل كذلك لا يرى الأشياء إلا إذا غمرتها المعرفة، والمعرفة دائمًا هي خبز الدماغ الذي يقتات عليه. ومن نافلة القول إن الأفكار لا تحصل على الصلابة المرجوة إلا من خلال توازن بين المعقول والمنهج وآليات تطبيقه. لعل من مزية العقول الناضجة القدرة على تشخيص الواقع الذي يفترض معالجة مشكلته، تمامًا كما يفعل الطبيب قبل أن يصف أي دواء، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن تشخيص الداء الأخلاقي أو الاجتماعي أصعب -بما لا يقارن- من تشخيص الداء الجسدي، وذلك يعود إلى أن أي توصيف لوضعية اجتماعية أو أخلاقية يعتمد أساسًا على التعريف بتلك الوضعية. والتعريفات في الشأن الإنساني تعاني دائمًا من القصور الذاتي، وتعاني من الانتقائية والنسبية والغموض. ومع هذا، فإننا حين نتعامل مع مشكلاتنا بعقل مفتوح ومرونة ذهنية جيدة، يمكن الاستدراك والتلافي لكثير من النقص في عمليات التشخيص والتقويم. ويمكن القول إن التوصيف الجيد لأي مشكلة يشكّل نصف الحل المطلوب، ويتمثل النصف الثاني في العثور على العلاج الملائم.
لا أجانب الصواب في هذا الحديث عندما أقول إن علة العلل هي احتكار الحق والفضيلة لدى البعض، فثمة حاجة للتفكير والعمل بعدّة جديدة من القيم والمفاهيم أو القواعد والأساليب، وذلك حيث الحقيقة هي ما نقدر على خلقه وتغييره، وحيث الهوية هي شبكة مبادلاتنا وصيرورة تحولاتنا، وحيث القضية هي ثمرة مناقشاتنا العمومية ومداولاتنا العقلية. والمخرج هو تفكيك العُدّة الفكرية التي صنعتنا على أساس احتكار الحقيقة وعقلية المصادرة أو الثبات والنقاء والتقديس، فضلًا عن إلغاء الآخر والمقامات. لنعد النظر في ما نمجده، إذ هو مكمن العلة.
ولهذا فالرهان هو أن نتدرب على ممارسة التقى الفكري والتواضع الوجودي بأدوات العقل التداولي، بحيث نكسر نرجسيتنا الثقافية ومركزيتنا البشرية، لكي نعيد بناء علاقاتنا بذواتنا البشرية وبالأرض والطبيعة. نعم، ليس المطلوب تأليه العقل بالتعامل مع منتجات الفكر الفلسفي أو العلمي كحقائق مطلقة أو نهائية، فأنا ضد هذا التسلط العقلي، وهذا حقًا ما دعا إليه برتراند راسل في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية حين قال إن الفلسفة هي حماية من عقيدة العقل نفسه. حتى في العلم، تخضع النظريات والمعادلات والكشوفات للمراجعة النقدية والمساءلة العقلانية، كما هو شأن نظرية التطور أو النسبية أو الانفجار الكبير. ولذا، فالتنوير يستلزم ممارسة تتحلّى بالتواضع الوجودي، إنها مهمة دائمة لا تتوقف، ترمي إلى تجديد ما ضاق أو استُهلك أو فسد من أجهزة الفهم وأطر الفكر أو أنظمة المعرفة وقواعد المداولة.
يجدر بنا أن نفرّق بين ثقافة وأخرى. هناك ثقافة أصولية، عنصرية، منغلقة، كما تتمثل في المعسكرات والصراعات الإيديولوجية. وفي المقابل، هناك ثقافة منفتحة، عابرة، عالمية، كما تتمثل في الإبداعات والاختراعات في مجالات الأدب والفن أو الفلسفة والعلم. لذا فالثقافة هي جانب من جوانب الحضارة؛ قد ترقى بها إذا كانت ثقافة حيّة، تنويرية، خلاقة، غنية، عابرة، وقد تنحط بها إذا كانت أحادية، أصولية، مغلقة، عدوانية.
ما عاد يجدي الالتفاف على المشكلات. لنعترف بالواقع لنحسن فهمه وتدبّره. نحن مختلفون، إذ لا وجود في الأصل إلا لما هو مختلف ومتعدد، أو خصوصي ومحلي، أو فردي وجزئي، إلا في الالتفاف في حياض المواطنة تحت ظلال الدولة. إذ لا وجود للمماهاة التامة على المستوى المعرفي إلا على سبيل التبسيط والاختزال، كما لا وجود للمطابقة الكلية على المستوى المجتمعي إلا على سبيل الانسحاق والذوبان.
والاعتراف بالاختلاف أساسه ومرتكزه أن نقر بأنه لا أحد يحتكر قول الحقيقة، ولا سيما ذلك العقل الأصولي؛ فهو عقل أحادي، مآله التبسيط والاختزال أو التعصب والتطرف، كما يفعل الماركسي المتطرف مع نصوص ماركس. ما فائدة الفضيلة التي تنشدها، أو الاطلاع الذي تسعى إليه، إذا لم يعززا فيك التمسك بالحياة ومقاومة الموت؟ ثقافة العجز والتحقير أنشأت اتجاهًا مقاومًا للحياة الطبيعية، وتنميطًا متطرفًا في شكل العلاقة بالآخرين، وعثرة في البناء بين الأفراد.