أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
حدَّثنا (ذو القُروح) في المساق السابق عن أنَّ استعمالات لُغويَّة عَرَبيَّة، ما زالت معروفةً عند العوامِّ في بعض لهجات الجزيرة العَرَبيَّة، قد بات يستنكف منها بعضُ المثقَّفين، جهلًا أو تنطُّعًا. وضربَ على ذلك مثالًا بكلمة (نكحَ)، بمعنى: تزوَّجَ. ثمَّ أضاف مستشهدًا: قال الشاعر:
أَحاطتْ بخُطَّابِ الأَيامَى، وطُلِّقتْ،
غَداةَ غَدٍ، مِنهنَّ مَن كان ناكِحا
وقد جاء في الشِّعر ناكِحةٌ أيضًا، بمعنى: متزوِّجة. قال (الطِّرِمَّاح)(1):
ومِثْلُكَ ناحتْ عليهِ النِّسا
ءُ، مِن بَينِ بِكْرٍ إِلى ناكِحةْ
ويقوِّيه قول الآخَر:
لَصَلْصَلَةُ اللِّجامِ بِرأْسِ طِرْفٍ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَنْ تَنْكِحِيني
ووردَ في مأثور الحديث: «انطلقتُ إلى أُختٍ لي ناكحٍ في بني شَيْبَان». أي ذات نكاح، يعني متزوِّجة، كما يقال حائض وطالق. ويقال: «اسْتَنْكَحَ في بني فلان»: أي تزوَّج فيهم.(2)
- وما زالت هذه الاستعمالات في بعض لهجات الجزيرة العَرَبيَّة اليوم.
- نعم. وممَّا يؤكِّد أنَّ الدَّلالة قد انصرفت في مثل تلك السياقات إلى معنى (الزَّواج)، لا (الوَطْء)، قولهم: «نَكَحَتْ فلانةُ فلانًا»، أي تزوَّجتْ به، كما يقولون «نَكَحَ فلانٌ فلانة»، أي تَزَوَّجَ بها، وقولهم: «هي ناكحٌ»، و«هو ناكحٌ»، بالمعنى نفسه.
- وكلُّ هذا وذاك ما زال مستعملًا في العَرَبيَّة الحَيَّة في بعض لهجات الجزيرة العَرَبيَّة.
- بالطَّبع؛ فهي عَرَبيَّةٌ متوارثةٌ عن العَرَب الأوائل، ليست بوافدةٍ ولا مخترعة! على أنَّ من طرائف الانحراف اللُّغوي القديم في هذا السياق ما رواه (الجاحظ، -255هـ= 868م)(3)، قال: «قرأ [سابقٌ الأعمى]: «وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا»، قال ابن جابان: وإنْ آمنوا أيضًا لن نَنْكِحَهُم!».
- فيا للمحافظة المعاصرة، إذن!
- والذي يستحي من تلك الكلمة لا يستحي من أخرى، وهي: «المِلْكة»!
- وماذا في ذاك؟ ألم يَرِد هذا في التراث؟
- وهل كلُّ واردٍ في التراث سليم ثقافيًّا؟! يقال: أَمْلَكَه الشَّيْءَ ومَلَّكَه إِيَّاه تَمْلِيكًا، أَي: جَعَلَه مِلْكًا لَهُ يَمْلِكُه. ويُقال: هذا مِلْك يَمِيني، ومَلْكَة يَمِيني. والمرأة ليست بمِلك يَمين زوجِها. نعم، لقد وردَ ذلك على سبيل المجاز، لكنَّ الناس يأخذونه على سبيل الحقيقة، والأَولى أن يقال (عقْد نكاح)، أو (عقْد زواج)، إذا كانت لديك حساسيَّة من الكلمة الأُولى.
- إذا كُنتَ ذا ثِنتَينِ، فَاغدُ مُحارِبًا
عَدُوَّينِ، واحذَرْ مِن ثَلاثِ ضَرائِرِ!
- جاء في كتب اللُّغة: من المَجاز: شَهِدْنا إِمْلاكَه ومِلاكَه، أي: تَزَوُّجَه، أو عَقْدَه مع امْرَأَته.
- عَقْدَه مع امْرَأَته؟!
- نعم، وليس عَقْدَه عليها، كما يقول الناس اليوم؛ لأنَّه عَقْدٌ مشترَك. على أنَّه يقال: أَمْلَكَه إيَّاها، بمعنى: زَوَّجَه إيَّاها. وهو مَجازٌ كذلك. ومعظم هذا انفردَ به (اللحياني النحوي، -220هـ)، وهو مشهور بنوادره. لكنَّهم أضافوا: لا يُقال: مَلَكَ بها، ولا أُمْلِكَ بها، وإنَّما يُقال: مَلَكَها يَمْلِكُها مَلْكًا: إذا تَزَوَّجَها.
- هكذا اتفقنا! كي يكون متمكِّنًا أمكَن!
- لكن، لا تفرح كثيرًا! قال بعضهم: إنَّه يُقال: مَلَكْتُ بامْرَأَة، كما يُقال: تَزَوَّجْتُ بها، فِي لُغَة من يَقُول: تَزَوَّجْتُ بامَرَأَة. واختلفوا أيقال: (إِمْلاك) أم (مِلاك)؟ وقد جاء في «العَيْن»: المِلاك: مِلاك التَّزْوِيج. ورفضَه بعض الفُصحاء. لكنَّ مجيزيه استشهدوا بحديثٍ غريبٍ وردَ فيه: «مَنْ شَهِدَ مِلاكَ امْرئٍ مُسلم، فكأنَّما صامَ يومًا في سبيل الله...».
- يا سلام! وكيف نتأكَّد أنه لم ينطق الهمزة قبل الميم؟! الإشكال أنَّ المعيار هنا لا شرعي، ولا لُغوي، ولا عقلي، لكنَّه اجتماعيٌّ، متوارث. فيه تصوُّر أنَّ الرَّجُل قد مَلَكَ امرأته فعلًا، كسِلعةٍ اشتراها.
- صدقتَ. والناس في بعض البيئات يعبِّرون بمصطلح «البَيع» عن التزويج! ولا تقل إنَّ هذا مجاز، بل القوم يعنون ما يقولون. وليس هذا لدَى العامَّة، بل لدَى الخاصَّة كذلك، في نظرةٍ دونيَّة إلى المرأة. حتَّى لقد روى (الجاحظ)(4)- وهو مَن هو في ثقافتنا العَرَبيَّة-: «كان يُقال: لا تعلِّموا بناتكم الكِتاب، ولا تروُّوْهُنَّ الشِّعرَ، وعلِّموهنَّ القرآن، ومِن القرآن (سُورةَ النور).» وهذا يعني أنَّه حتَّى «القرآن» لا ينبغي- وَفق تلك الأعراف- أن تتعلَّمَه المرأة كاملًا؛ لأنَّ سُوَرَهُ لا تخلو من محظورٍ في اطِّلاع المرأة عليه!
- لا حول ولا قوَّة! وهي أفكار جاهليَّة، بلغَ من أمرها إلى ما وصفه (ابن المجاور)(5) عن بعض قبائل العَرَب أنه « لم يأكل أحدٌ من أهل هذه القبيلة خبزًا مقابل امرأة، ولا يشرب ولو مات جوعًا وظمأً!» وهو يتحدَّث في هذا عن العصر الإسلامي، لا عن العصر الجاهلي.
- ستجد أصل هذه النظرة إلى المرأة لدى (الهندوس) أيضًا. ففي كتابهم المقدَّس «منوسمرتي»(6)، يَرِد من وصايا الآداب العامَّة أنَّ على الرَّجُل «ألَّا يأكل مع زوجته، ولا ينظر إليها وهي تأكل!»
- تُرَى أكانت تلك العقيدة عند العَرَب عن علاقة بعقائد الهنود؟!
- لا يبعُد أن يكون ذلك كذلك؛ فتلك عقائد أقدم بكثير ممَّا انتهى إلينا من أخبار العَرَب وحياتهم الاجتماعيَّة. والعلاقة قديمًا بين (الهند) و(جزيرة العَرَب) كانت حريَّة بمثل هذا التثاقف.
- وهكذا فإنَّ نماذج الاستبداد المقنَّن ربما استُغلَّ الحقُّ فيها للباطل، بل حُرِّف في شكلٍ ماكرٍ وخَفِي، حتى يُصبح الباطل مستساغًا، بل يبدو أصلًا يُعمَل به، وإنْ تحت ذريعة مراعاة الأعراف.
- هي ذرائع تعني ببساطة مراعاة الفوضى الجاهليَّة، ورفض الشرائع الواضحة، التي ليلها كنهارها. ولكن لا تعدم أن تجد من يدافع عن هذا، حتَّى من المستبَدِّ بهم، في متلازمة استُكهُلميَّة (Stockholm syndrome) حضاريَّة، أزليَّة أبديَّة.
- بالعودة إلى طرائف المفارقات بين اللَّهجات الدارجة والعَرَبيَّة الفصيحة، ستسمع (أصالة نصري) تُغنِّي للثورة السُّوريَّة: «ارفع راسك فوء.. إنت سوري حِرْ»، بكسر الحاء! فأهانت السُّوري، من حيث أرادت أن تهنِّئه وتصفه بأنه (حُر)!
- لو أنها استشارت عارفًا باللُّغة، لما شتمت الثورة السُّوريَّة في مقام امتداحها.
- مع أنَّ كلمة (حِر)، بكسر الحاء، وبمعناها الفصيح، ما زالت مستعملة أيضًا في بعض الدوارج العَرَبيَّة المعاصرة.
- إنَّه الحرص على التمسُّك بالعاميَّات مهما كانت النتائج، ولو أدَى ذلك إلى أن يسبَّ القائل نفسه وأهله!
- وممَّا يتَّصل بما تقدَّم في شأن الزواج والنساء تلحظ بعض مظاهر خفيَّة من «أَسْلَمَة» ملامح عتيقة من القِيَم الجاهليَّة، وإنْ بأساليب مبطَّنة. لعلَّ من بينها، مثلًا، ما يتعلَّق بالرؤية الشرعيَّة التي تسبق الزواج. ولا خلاف في أنَّ هذا حقٌّ عادل، شرعًا وعقلًا، بأن يرى الخاطب مخطوبته، وترى المخطوبة خاطبها. لكن ماذا تلحظ هنا؟ التركيز على حدود ما ينبغي أن يراه الرَّجُل من المرأة، وكأنها بضاعة ستُباع إليه؛ فمن الضروري أن يتأكَّد من مواصفاتها.
- وأنت تعلم أنَّ من التقاليد الاجتماعيَّة أن يأتي الخاطب لابسًا، حتى يكاد لا تبدو منه إلَّا عيناه وأنفه وفمه، في المجتمعات التي تكون أزياؤها هكذا، كما في بلدان الخليج العَرَبي. وإنَّما اختلف فقهاء المذاهب وتجادلوا في حدود ما يراه الخاطب من المخطوبة فقط. حتى لقد توسَّع بعضهم للقول بجواز رؤية شَعرها ورقبتها وربما الساقين وأشياء أخرى! لماذا؟ لأن المرأة هي بضاعة الصَّفقة في نظرهم. وإلَّا ما مسوِّغ أن يأتي الرَّجُل متغطيًا تقريبًا، ساترًا معظم جسمه، أمَّا المرأة، فلا بُدَّ أن تتكشَّف وكأنها بضاعة في معرض؟ على الرغم من أنَّ من حقِّها هي الأخرى أن ترى منه مثل ما يرى منها؛ فما يُدريها، فقد يكون مشوَّهًا، أو تحت عمامته قرنان؟!
- لا، كلُّ هذا غير مهم، بل حسبها لمحات خارجية عابرة!
- ولو تساءلنا: ما الهدف من الرؤية الشرعيَّة، إذن؟ إنما هدفها معرفة أنَّ الطرف الآخَر مَرْضِيٌّ إجمالًا، لمن يريد أن يستبين ذلك؛ كي يقبل في النهاية أو يرفض، ويتخذ قرار الاقتران أو عدمه. وليس الهدف التفتيش، وتقصِّي الحقائق والتفاصيل. على أنَّ هذه التفاصيل الجماليَّة يمكن للخاطب، إنْ كان ملحاحًا إلى تلك الدرجة في تطلُّبها، أن يرسل الأُمَّ أو الأخت، لتفلي المخطوبة شَعرةً شَعرة، وتنقل إليه الخبر!
- على أنْ يُفعل به مثل ذلك، في المقابل!
- هذا ما يُفترَض. بَيْدَ أنَّ ما يتكشَّف هاهنا اجتماعيًّا وثقافيًّا: أنها ما انفكَّت من الأذهان تلك النظرة إلى المرأة على أنها سِلعة، فالوليُّ بائعٌ والخاطب مشتر. ولذا فالمهمُّ مزاج المشتري فقط، كما كان يفعل شاري الجواري من أسواق النِّخاسة؛ ومن ثَمَّ فلا بُدَّ أن يتأكَّد المشتري من كلِّ التفاصيل. وهكذا بالغت بعض الاجتهادات الفقهيَّة في حدود الرؤية الشرعيَّة، حتى باتت مسألة خلافيَّة في الفقه الإسلامي؛ إذ توسَّعت في أمر هذه الرخصة العادلة، في مبالغات سمجة ممجوجة، لا بمعايير الدِّين فحسب، بل بمعايير كرامة المرأة عمومًا، وبمعايير العقل والواقع. أمَّا المرأة، فلا يُسأل عن متطلَّباتها هاهنا، ولا تثير مسائل خلافيَّة عادةً؛ من حيث هي البضاعة، و«الرَّجُل لا يعيبه إلَّا جيبه»، كما يقال في التعبير الشعبي الدارج!
**__**__**__**__**__**
(1) (1994)، ديوانه، بتحقيق: عِزَّة حسن، (بيروت- حلب: دار الشرق العَرَبي)، 89/ 67.
(2) يُنظَر: الزمخشري، الأساس؛ ابن منظور، اللِّسان، (نكح).
(3) (1975)، البيان والتبيين، تحقيق: عبدالسَّلام محمَّد هارون، (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 2: 219.
لأنَّ صواب الآية: «وَلَا تُنْكِحُوا».
(4) م.ن، 2: 180.
(5) يُنظَر: (1951)، صِفة بلاد اليَمَن ومكَّة وبعض الحجاز المسمَّاة: تاريخ المستبصر، عناية أوسكر لوفغرين، (ليدن: مطبعة بريل)، 149- 150. ويقارن: الفَيفي، عبدالله بن أحمد، (1999)، شِعر ابن مُقْبِل: (قلق الخَضْرَمة بين الجاهليِّ والإسلاميِّ: دراسة تحليليَّة نقديَّة)، (جازان: النادي الأدبي)، 1: 168.
(6) يُنظَر: (د.ت)، ترجمة: إحسان حقي، (دمشق: دار اليقظة العَرَبيَّة)، 215.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)