يحيى العلكمي
في تاريخ المسرح، ظلّ النص زمنًا طويلًا يُنظر إليه بوصفه السيّد الأول، تُقاس به قيمة العرض وتُبنى عليه شرعيته الجمالية والفكرية، غير أنّ التجربة المسرحية الحديثة، ومع تطور أدوات الإخراج والسينوغرافيا، أعادت ترتيب هذه العلاقة، فأصبح العرض كيانًا مركبًا قد يتجاوز النص، ويعيد إنتاجه، بل وينقذه أحيانًا من عثراته وغموضه أو ركاكته.
كثير من المخرجين البارعين امتلكوا قدرة نادرة على تحويل النصوص الملتبسة والضعيفة إلى عروض آسرة، مستندين إلى رؤية بصرية متفوقة، وحسّ تركيبي عالٍ، وفهم عميق لإيقاع الخشبة. هؤلاء لا يتعاملون مع النص بوصفه مادة مقدسة، وإنما باعتباره خامة أولية قابلة لإعادة الصياغة عبر الضوء، والحركة، والفضاء، والصوت، وتشكيل الجسد الإنساني في علاقته بالمكان. في أيديهم يصبح الغموض قيمة دلالية لا عيبًا بنيويًا، وتتحول الفجوات النصية إلى مساحات تأويلية خصبة.
وقد ارتبطت أسماء بعض المخرجين بهذه الميزة تحديدًا؛ فما إن يُعلن عن عمل جديد لهم حتى يُطمْأن المتلقي، مهما كان النص مثقلًا بالترهل أو ضبابيًا في رؤيته. الثقة هنا لا تنبع من قوة النص، وإنما من قدرة المخرج على خلق منطق داخلي للعرض، يمنح المتفرج تجربة حسية وفكرية مكتملة، مهما كان البناء الدرامي الأصلي هشًّا أو غير محكم عبر توهانه الرمزي ومبالغاته الانزياحية.
هذه الظاهرة ليست غريبة عن الفنون الأخرى؛ فكما يُنقذ مطربٌ موهوب قصيدةً رثة بأدائه، نبرته، وحضوره، يستطيع المخرج المسرحي أن يهب النص حياة لم يمتلكها على الورق. الصوت الجميل، حين يُحسن تطويعه، يجعل المستمع يتجاوز ضَعفَ الصورة الشعرية، والمخرجُ البصري، حين يمتلك أدواته، يدفع المتفرج إلى التفاعل مع العرض بعيدًا عن مساءلة النص حرفيًا.
غير أنّ هذا الإنقاذ لا يعني إلغاء قيمة النص أو التقليل من شأن الكاتب، وإنما يؤكد أن المسرح فن جماعي، وأن العرض هو حصيلة تفاعل معقّد بين عناصر متعددة، يتقدم فيها الإخراج أحيانًا ليتحمل عبء المعنى كاملًا. في هذه الحالة، لا يكون النصّ مركز الثقل، وإنما أحد مكونات شبكة دلالية أوسع.
إنّ المخرج الذي ينجح في هذا الرهان لا يموّه ضعف النص فحسب، وإنما يكشف قدرة المسرح على تجاوز حدوده التقليدية، وعلى إعادة تعريف الجمال بوصفه تجربة تُرى وتُحسّ وتُعاش، لا مجرد كلمات تُقرأ.
** **
- كاتب وناقد مسرحي