خالد محمد الدوس
مدخل:
في عالم متغير تتصادم فيه التحولات الثقافية والتغيرات الاجتماعية..
هل تساءلنا يوماً لماذا تتغير عاداتنا وقيمنا بهذه السرعة..؟! أو كيف تشكلنا التكنولوجيا وتعيد تعريف علاقاتنا..؟
هذه الزاوية الثقافية الاسبوعية لا تكتفي بوصف التحولات من حولنا، بل تحمل منهج «علم الاجتماع».. ليطرح الأسئلة الجوهرية عليها..
نحن هنا لنسبر أغوار الظواهر الاجتماعية والثقافية الخفية، ونحولها إلى نقاش (ثقافي اجتماعي) واضح مع أحد الخبراء والباحثين، أو الباحثات في ميدان علم الاجتماع. نحاول مقاربة هذه الاستفهامات بعيدا عن الإجابات الجاهزة.!
ضيفتنا في هذه الزاوية الثقافية: أ. د. بدرية العتيبي أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية .نحّول العدّسة لرؤية العالم الاجتماعي كما يراه علماؤه: نظاماً معقداُ من المعاني والقوى والصراع.
طرحنا عليها بعض التساؤلات من واقع معطيات علم الاجتماع فكانت الإجابة -وكما تقول - الخبيرة الاجتماعية ما يلي:
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المجتمع السعودي؛ لم يعد السؤال عن التغير والتغيير سؤالًا عارضًا، بل أصبح سؤال الهوية والمعنى، وإعادة التموضع في عالم مفتوح. ومن موقع علم الاجتماع؛ يمكن قراءة هذه التحولات بوصفها عملية إعادة صياغة اجتماعية تفاوضية، لا قطيعة فجائية، ولا ذوبانًا كاملًا في العولمة.
أولًا: إعادة صياغة «الهوية الوطنية السعودية» في عالم مفتوح:
الهوية الوطنية السعودية اليوم لا تُفهم باعتبارها معطى ثابتًا، بل كعملية ديناميكية يعاد إنتاجها يوميًا عبر التعليم، والإعلام، وأنماط العيش الجديدة. فالانفتاح الثقافي وزيادة التواصل مع العالم لم يُلغِ المرجعيات المحلية، بل أعاد ترتيبها. فبينما يحتفظ التراث الديني والثقافي بمكانته الرمزية؛ تظهر لدى الأجيال الشابة قراءات أكثر مرونة لهذا التراث، تسمح بالجمع بين الانتماء الوطني والانخراط في القيم الكونية مثل «الفردانية»، والإنجاز، والتنوع.
ويبرز التوتر حين يُنظر إلى القيم العالمية بوصفها تهديدًا للخصوصية، أو حين يُختزل التراث في صور نمطية جامدة. لكن في المقابل؛ نلمس مساحات انسجام واضحة، حيث يعاد تقديم الهوية السعودية كهوية واثقة، منفتحة، وقادرة على التفاعل دون التفريط في الأسس والثوابت الراسخة. هذا التوتر/ الانسجام ليس علامة ضعف؛ بل سمة طبيعية لمجتمع في طور التحول السريع والواثق.
ثانيًا: تحولات دور المرأة والتفاوض مع التقاليد:
يُعد الحضور المتنامي للمرأة في الفضاء العام أحد أكثر المؤشرات دلالةً على التغير الاجتماعي. فقد شهدت المسارات المهنية للشابات الحضريات توسعًا لافتًا، شمل قطاعات كانت حتى وقت قريب شبه مغلقة، كما تغيرت التوقعات العائلية المتعلقة بالتعليم، والعمل، وتأجيل الزواج.
غير أن هذا التغير لا يتم في فراغ؛ فالنساء لا يقطعن الصلة مع التقاليد بقدر ما «يتفاوضن معها». حيث تظهر أنماط حياة جديدة، تجمع بين الاستقلال المهني والالتزام العائلي، وبين الطموح الشخصي والروابط الاجتماعية. هذا التفاوض اليومي يعكس وعيًا اجتماعيًا متقدمًا، تسعى فيه النساء إلى إعادة تعريف أدوارهن دون صدام مباشر مع البنية الثقافية، بل عبر إعادة تفسيرها من الداخل.
ثالثًا: الفضاءات العامة الجديدة وأنماط العيش المعاصرة:
أسهم التحضر السريع والطفرة الاقتصادية في نشوء فضاءات عامة حديثة، مثل المراكز التجارية الكبرى والمناطق الترفيهية، التي لم تكن مجرد أماكن للاستهلاك، بل أصبحت ساحات للتفاعل والحراك الاجتماعي. هذه الفضاءات أعادت تنظيم العلاقات بين الجنسين، ووفرت أشكالًا جديدة من الاختلاط المنضبط، والمشاركة الاجتماعية.
ومن منظور سوسيولوجي (اجتماعي)؛ خلقت هذه البيئات أنماطًا جديدة من الترفيه تقوم على التجربة والرمزية، لا على الاستهلاك المادي فقط. فالمول أو المنطقة الترفيهية أصبحا فضاءً للهوية، ولعرض أنماط الحياة، ولإعادة تعريف الذوق العام. كما أسهمت هذه الفضاءات في تطبيع حضور المرأة والأسرة والشباب في الفضاء العام، بما يعكس تحولًا في التصورات الاجتماعية والمفاهيم حول المكان والدور.
رابعًا: الشباب والمنصات الرقمية: فضاء بديل للوعي والتعبير:
يشكِّل الشباب نسبة محورية من المجتمع السعودي، وتلعب منصات التواصل الاجتماعي دورًا بالغ التأثير في تشكيل وعيهم ومواقفهم تجاه القضايا الاجتماعية والثقافية. هذه المنصات لا تنقل الأفكار فحسب؛ بل تعيد تشكيل طرق التفكير، وأساليب التعبير، ومعايير القبول والرفض.
لقد تحولت المنصات الرقمية إلى «فضاء بديل للنقاش العام»، يتيح للشباب التعبير عن آرائهم، وبناء سردياتهم الخاصة، ومناقشة قضايا الهوية، والعمل، والعلاقات، بل وحتى القيم. ورغم ما تحمله هذه المنصات من مخاطر الاستقطاب أو السطحية؛ فإنها تمثل مختبرًا اجتماعيًا مفتوحًا، تتشكل فيه أجيال أكثر وعيًا بذواتها وبالعالم من حولها.
في المحصلة؛ ما يشهده المجتمع السعودي اليوم ليس مجرد تغيرات متفرقة؛ بل عملية تحول اجتماعي عميقة، تُعاد فيها صياغة الهوية، والأدوار، والفضاءات، وأنماط الوعي. وهي عملية لا تخلو من التوتر، لكنها غنية بالفرص، وتعكس مجتمعًا حيًا يعيد تعريف نفسه بثقة ومسؤولية.
خلاصة القول.. إن التحولات التي يشهدها المجتمع السعودي اليوم ليست تغيرات سطحية؛ بل عملية إعادة صياغة اجتماعية شاملة، تتداخل فيها الهوية، والأدوار، والفضاءات، وأنماط الوعي. وهي عملية تحمل قدرًا من التوتر، لكنها في جوهرها تعكس مجتمعًا يتغير بثقة، ويعيد تعريف ذاته ضمن عالم سريع التحول.