عبدالله العولقي
عاشَ الشاعرُ الشابُ أحمد فتحي فترة شبابه في القاهرة، وعمِلَ فيها مُدرّساً في وزارة المعارف بيدَ أنّ شخصيّته الحادّة التي لا تعرفُ المنطقة الرّمادية في التعامل مع صنوفِ بني البشر أدخلته في دوّامة الصّراعات الاجتماعيّة، لمْ يكنْ يدركُ الشاعرُ الحسّاسُ أنّ الناسَ يتفاوتون في طبائعِهم وأخلاقِهم وأنّهم ليسوا على طبيعته الفريدة التي تستندُ إلى البراءةِ والصّدق!!، ولذا كانَ دائمُ الصدامِ مع زملائه المُدرّسين حتّى وصلَ إلى مرحلةِ العنفِ عنْدما حصلت معركة التشابك بالأيدي مع ناظرِ المدرسة الذي لمْ يتفهّمْ شخصيّة الشاعر الحسّاس الرومانسي بلْ قامَ بمحاربةِ موهبته ومعاداته في مواقفه حتّى كتبَ تقريراً إلى الوزارةِ يُوصِي بنقلِه تأديباً إلى خارجِ القاهرة، وبالفعل هذا ما حصل!.
جاءَ قرارُ الوزارةِ بنقلِ المعلّمِ أحمد فتحي إلى صعيدِ مصر، وهنا تضايقَ شاعرُ الرقة والإحساس منْ هذا القرار الصّادم وأحسّ في داخله بمرارة الظلم والأسى!، وتحوّلت الدنيا في ناظره إلى شاحبةٍ واجمة، وقضى بقيّة أيّامه في القاهرة كئيباً حسيراً إلى أنْ حانت ساعةُ الصفر!، وأمام هذا الموقف الصّعب قرّر الشاعرُ أنْ يرضخَ لتنفيذه، وبالفعلِ حَمَلَ حقائبه إلى جنوب مصر، وتحديداً إلى منطقة الأقصر التي تعبقُ بنكهةِ ملوك الفراعنة وتاريخ مصر القديم، وهناك غاصتْ روحُه الرقيقة في بحور التاريخ، يقولُ الأستاذ صالح جودت: ومنْ وحْيِ هذه الأحجارِ الضخمةِ الجاثمةِ والأطلال القائمة التي ينْزلُ شاعرُنا سخطه عليها، نظَمَ رائعته الخالدة (أنشودة الكرْنَك):
حلمٌ لاحَ لعينِ السّاهرِ
وتهادَى في خَيَالٍ عَابرِ
وهَفَا مِلْءَ سُكُونِ الخاطِرِ
يصلُ المَاضي بحلمِ الحاضرِ
طافَ بالدُّنيا شُعاعٌ مِنْ خيالي
حَائرٌ، يسْألُ عنْ سرِّ الليالي
يا لهُ منْ سرّها الباقي ويَالي
لوعة الشّادي ووهم الشاعرِ
قصيدة بديعة تضجُّ بالصّور الفنيّة الجميلة، صاغها شاعرُ الرومانسيّة بإحساسهِ المرهفِ الحالم الباحث عن الجمال.
لو تأمّلنا شخصيّة فتحي لوجدْناها لا تختلفُ كثيراً عنْ شخصيّات شعراء الرومانسيّة، لكنّ الشّاعر الذي يتشابه معه كثيراً هو شاعر تونس العظيم أبو القاسم الشابي، فالشاعران غادرا الحياة بصورةٍ مبكّرة، وكلاهما لديه شخصيّة حادّة يصعبُ التعامل معها بسهولةٍ في طبيعة العلاقات الإجتماعيّة!، وعلى الرغم منْ هذا نجدُ شخصيّة النقيض تتأصّلُ في دِيْوانَيْهِما، أيْ شخصيّة الشاعر الفنّان الرقيق الحسّاس كما يقولُ الشابي:
والشقيُّ الشقيُّ منْ كانَ مثلي
في حَسَاسيّتي ورقّةِ نفْسي
لقدْ كانت قصيدةُ أنشودة الكَرْنك الميلاد الحقيقي لهذه الموهبةِ الشعريّة الجميلة، فقدْ طارت بها ركبانُ الصّحافة حينها حتّى وصلت أبياتها إلى الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي طار بها هو الآخر لحناً يحلّقُ في سماءِ الأغنيةِ العربيّةِ عام 1941م، يقولُ الأستاذُ محمد رضوان في دراسته النقديّة عنِ الشاعر: إنّ أنشودة الكرْنك هي قصيدةُ القصائد!!.
وُلدَ شاعرُنا أحمد إبراهيم سليمان فتحي عام 1913م بقرية كفر الحمام بمحافظة الشرقيّة، ونشأ في بيئةٍ متعلمةٍ ومثقفة، فتأثّر الشاعرُ منذ طفولته وتفاعل مع جاذبيّة الثقافة التي كانت تحيطُ به في منزله، أمّا حكايته مع الشعر فتعودُ في جذورها إلى أصوله التي ترجعُ إلى بادية الجزيرة العربيّة، موطن الشعر العربي الأوّل، فنشأ فتحي شاعراً بالسّليقة الأصيلة التي لمْ يكتفِ بموهبتها بل غذّى خياله الشعري بحفظ قصائد كبار الشعراء العباسيين من أمثال المتنبي وأبي تمام والبحتري إلى شعراء زمانه كالبارودي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم حتّى بدأ لسانُه يتغنّى إبداعاً ورقةً ببعض الأبيات الرومانسيّة التي كانت تثيرُ انتباه أباه ومعلّميه وتُعْطي إشاراتٍ واضحةٍ بقدومِ موهبةٍ شعريّةٍ ساحرةٍ إلى فضاءِ الثقافة العربيّة!.
لمْ يكنْ فتحي يهتمُّ بالمالِ وجمْع الثروة على الإطلاق!!، فلمْ يتقاضى عنْ قصيدته أنشودة الكرنك إلا بضع جُنيْهاتٍ يسيرةٍ صرفها كلّها ضيافةً لأصدقائه في إحدى الليالي!، وبعدها أطلقت عليه الصحافة لقب شاعر الكرْنك، هذا اللقبُ الأدبيُّ الذي التصقَ بهِ طيلة حياته وبعدَ مماته، ويصفُ الأستاذُ محمد رضوان الشاعر في كتابه الذي صنّفه عنْه بأنّه شاعرُ الرقة العاطفيّة، تلك الصفة التي يشترك بها كلّ شعراء الرومانسية مثل إبراهيم ناجي وعلي محمود طه وصالح جودت والهمشري!، فلفتْحِي قدرةٌ بارعةٌ على خلْقِ الصّورةِ الشعريّةِ داخل قصائده، وقدْ عبّر منْ خلالها عنْ خوالجِ نفسه وخفقاتِ قلبه بمصداقيّةٍ إنسانيّةٍ فريدة، ولذا نجده قدْ وظّف الصّور البلاغيّة لتكونَ جزءاً داعماً للفكرة وليس لمجرّد البهرجة والرنين، وبرغم الشهرة التي حقّقها الشاعر خلال عمره القصير إلا أنّه تعرض للإهمال كثيراً فكانَ يشكو دائماً منْ عدم اهتمام الصحافة وا لنقاد بموهبته الشعريّة:
فيمَ الثناءُ على الموتى!، أتمنحهم
درّ المدائح، قنطاراً بقنطارِ
وهلْ يردُّ عليهم طيب عيشهم
طيب الثناء إذا وافى بمقدارِ
يا ضيعة الفنّ إنْ لمْ تمتلى يده
بدرهمٍ يكفل الدنيا ودينارِ
لقدْ تركَ أحمد فتحي أثره الثقافي على كلِّ منْ عرفه، ومنهم صديقه الشاعر الرومانسي صالح جودت والذي كانَ أوّل منْ أحيا ذكره في كتاب (شاعر الكرنك، أحمد فتحي) عندما أنصفه أدبيّاً وقدّمه للجمهور شاعراً وإنساناً، ولولا صالح جودت لضاعَ الكثيرُ منْ أعمالِ أحمد فتحي الشعريّة، فقدْ بذل جودت جهداً عظيماً في تتبّعِ قصائده المتناثرة في الصحف والمجلات وعند أصدقائه وأقاربه، فجمعها كلّها وقدّمها للهيئة العامّة للكتاب في القاهرة التي لمْ تتردّد في نشرِ ديوان الشاعرِ الكبير!.
لمْ يكنْ صالح جودت وحده من اهتمّ بتوثيقِ سيرة وأدب أحمد فتحي بلْ إنّ الصحفي محمد أمين ألّف كتاباً عنه وسمه بـ (أحمد فتحي، قصة الأمس) وهو يمثّلُ بذلك أهميةً كبيرةُ في دراسةِ الشاعر دراسة وجدانيّة نفسيّة مهمّة، لقدْ كشفَ أمين جوانبَ غامضة في حياةِ الشاعر تتعلّقُ بسلوكه المضطرب الذي يبعدُ تماما عنْ عالَمِ العقلِ والمنطق، هذا السلوك الذي جعله يتشابك بالأيدي مع ناظر المدرسة في أوّل سنة يعملُ بها مدرساً أوْ هذا السلوك الذي يجعل أيّام عمره تتوالى بين مرحلتين، مرحلة يتقاضى فيها أجر قصائده فتصعدُ به إلى قمة البذخ في اللهو حتّى تنتهي ثروته البسيطةَ، فيعود إلى المرحلة الثانية التي يرتطمُ فيها بقاعِ الجوعِ والفقر!!، وهكذا حتّى يضربَ معه الحظ مع قصيدةٍ جديدة، وهكذا كانت حياة الشاعر القصيرة في تناوبٍ عجيبٍ بين الغنى البسيط والفقر المدقع!!.
لقدْ عاشَ أحمد فتحي وهو يفتقدُ إلى مهاراتِ الذكاءِ الإجتماعيِّ ممّا أفقده الاستفادة منْ علاقاته الإنسانية أوْ من الأموالِ التي كان يتقاضاها أجْراً لأعماله الشعريّة!!، يقولُ الأديب سلامة موسى عنه: لقدْ ضحكَ له الحظُّ كثيراً وكثيراً لكنّه لمْ يُحْسِنُ استغلال هذا الضحك لمصلحته!، لقدْ مضت حياته منْ نجاحٍ إلى إخفاق إلى نجاح إلى إخفاق!، لقدْ كان يتخلّصُ منْ أيِّ أموالٍ يتحصّلُ عليها سريعاً في لهوه وملذاته!!.
وللشاعرِ قصيدة أخرى لا تقلُّ أهميّةً عنْ أنشودةِ الكَرْنَك وأعْني (قصة الأمس)، هذه الإبداعيّة الرومانسيّة التي وصل بها إلى مستوى القمة بين شعراءِ جيله عنْدما عبّر من خلالها عنْ شخصيّته المكلومةِ بكلِّ أبعادها الإنسانيّة، فهي تعكسُ صورةَ كبريائه واعتدادِه بنفسهِ وعدم وقوعه في فخّ مهانةِ العشق حيثُ تدورُ القصيدةُ حولَ فلك: الأنا والآخر، أيْ نفْسِ الشاعر العاشقة ومحبوبته التي تريدُ أنْ تُهِينُه بالحب:
وعدْتني أنْ لا يكونَ الهوى
ما بيْننا إلا الرِّضا والصّفا
وقلتَ ليْ إنّ عذابَ النّوى
بُشْرى توافينا بقرْبِ الِّلقا
يبتدئ الشاعرُ رائعته (قصة الأمس) بحواريّةٍ وجدانيّةٍ جميلةٍ تتضمّنُ تناوبيّة سرديّة بين الأنا/أنتَ، حيث يرمزُ الشاعرُ إلى محبوبته بضمير التذكير لا التأنيث وكأنّه يعيبُ فيها خروجها عنْ إطار الأنوثة التي تلتزمُ الحياء لا التسلّح بسماتِ الذكورة!!، فيبتدئ المقطع الأول بسرديّة المنطق الأرسطي عندما يقدّمُ الأنا بصورةِ المظلوميّة:
أنا لنْ أعودَ إليك مهْما استرحَمتْ دقاتُ قلبي
ويُقدّمُ (الآخر/أنتَ) بصورةِ المعتدي على شريعة الحبّ بثلاثيّة: الملالة والصدود والخيانة:
أنتَ الذي بدَأَ الملالة والصدودَ وخانَ حُبّي
ليصلَ بذلك إلى الاستنتاجِ المنطقي في تبريرِ الأنا لقطعِ العلاقة إلى الأبد:
فإذا دعوتَ اليومَ قلبي للتّصافِي، لنْ يُلبّي
هذهِ المقدّمة الصّادمة للمتلقّي عندما تستهلُّ الحكاية بصورةٍ انفعاليّةٍ تصاعديّةٍ عنيفةٍ تعودُ في المقطع الثاني إلى خفض رِتْمِ الانفعال باستدعاء ذكريات الحبِّ القديمة وبدايات العلاقة:
كُنْتَ لي أيامَ كانَ الحبُّ لي أملَ الدنيا ودنْيا أمَلي
حِينَ غنّيتُكَ لحْنَ الغزل بينَ أفراحِ الغرامِ الأوّلِ
ليعودَ في بقيّة أبيات القصيدة إلى تصويرِ الذاتِ بالمظلوميّة ويُلْقي في نفسِ الوقتِ سمة السّلبيّة بصورها المتعددة على الآخر، فهنا يتحوّلُ الخطابُ النفسيُّ إلى عدمِ الاهتمامِ بالطرفِ الآخر:
عِشْ كما تهْوى قريباً أوْ بعيداً
حسْبُ أيّامي جِرَاحاً ونُواحاً ووعُودا
ولياليّ ضياعاً وجُحُودا
ولقاءً ووَداعاً يتركُ القلبَ وحيْدا
فهذه الانسيابيّة الموسيقيّة في تسلسل المعاني تُعطي المتلقّي الإحساس بنشوةِ الإبداعِ الشعري، هذه النشوة التي يمتلكُ مفاتيحها صفوة الشعراء الموهوبين الذين لا يعرفون في هذه الحياة سوى نغمةِ الكلمة وإبداع القصيدة!، وهكذا كان شاعرُنا أحمد فتحي فاشلاً في الوظيفة، ومُخْفِقاً في الصداقات الاجتماعيّة، وعاجزاً عنْ تقديم نفسه كموهبةٍ شع ريّة أمام الإعلام!، لكنّ ابْداعه الإنساني يكْمنُ عنْدما يخلو مع نفسهِ ويعيش صراعَه النفسي في خلْقِ أجْواءِ القصيدة!، وهكذا كانت رائعتُه الخالدة (قصة الأمس):
قصّةُ الأمْسِ أُناجيها وأحْلام غدِي
وأمَانيٌّ حسانٌ رقصتْ في معْبَدِي
وجِراحٌ مُشْعلات النارِ في مرْقدِي
وسحاباتُ خيالٍ غائمٍ كالأبدِ
لقدْ قضى الشاعرُ أحمد فتحي سنواته الأخيرة وهو غارقٌ في الاكتئابِ والهموم، يقولُ صالح جودت عنْه: لقدْ كانتْ حياةُ فتحي سلسلةً من الأشجانِ والعذاباتِ والهمومِ إلى أنْ خرجَ من الدنيا يائساً محزونَ القلب!!، ويقول الصحفي عبد القادر حميدة: لقدْ تعرّفتُ على الشاعر فتحي لأوّل مرة في منزل سفيرٍ عربيّ، لقدْ لفتني وجهٌ وسيمٌ مشرب بحمرةٍ شفيفة، مبتسم العينين دائماً، وعندما توادعنا في ذلك المساء، أفصحت ابتسامة عينيه عن أحزانٍ مكبوتةٍ في الغور تتعجّلُ الانفراد بصدرِ صاحبها لكي تجهشَ أحزانٌ خلّفتها دراماً من فصيلةِ المآسي التي تترصّدُ الشعراء الرومانسيين كي ينهلوا منْ ينابيعِ الآلامِ الغائرةِ داخل أرواحهم، أوْ منْ معاناةِ اغترابِهم في الحياة، تلك الآلام التي تحفرُ قلوبهم في أعمار مبكرة!!.
لقدْ كانت نهايةُ أحمد فتحي مأساويّة مثلما كانت حياته!، فقدْ عاشَ آخر حياته مقيماً في فندق كارلتون وسْطَ القاهرة بعيداً عنْ كلِّ النّاسِ بما فيْهم أقاربه وأصدقاءه، وفي صباح يوم الأحد 3 يوليو 1960م، استيقظَ جميعُ النزلاءِ في الفندقِ عدا الشاعر!، فلمْ يطلبْ إفطاره اليوميّ كالعادة!، ولمْ يُجبْ على تليفون غرفة الخدمة!، وعنْدما وضعَ الجرسونُ قهوته والصحف الى جواره أدركَ أنّ أمراً مريباً في الغرفة!، فالشاعرُ جامدٌ لا يتحرّك!، وهكذا كانت نهاية شاعر (الكَرْنك) ومبدع (قصة الأمس).