تركي بن شجاع بن تركي الخزيم
تحمل دلالة العنوان مضافًا ومضافًا إليه، لا يتحدد ضبطها وقصدها إلا ضمن سياقات تجعلها ناصعة الوضوح وإن بقت الأسماء متعددة الدلالة غير محددة قصد نيّة المتكلم:
النيةُ شرطٌ لسائرِ العملْ
بها الصلاحُ والفسادُ للعملْ
يسري استعمال لفظتي (القصد والنية) على توظيف واسع في أبواب متعددة، ولا تقاود في استعمالها إلا لمن أحللوها المحل الأمثل، فالفروع لفظة واسعة الدلالة تستعمل في: القواعد الشرعية وفي أغصان الأشجار، وفي مفترق الطرق، وفي سواق المياه، وهذا قليل من كثير غير متناهي الحصر والتحديد. أما المظامي فمن الإظماء أي: إنهاء المدة من صدور الإبل: أي شربها ثم خروجها إلى المرعى حتى الورود. وهذا ما يسمى (ظِمْء) والظمأ العطش، والشوق إلى اللقاء، وأظمأ أي: أكمى على ما في صدره من خير أو غيره، ولكن الإكماء يغلب على ما يُبطَن من السوء واختباء الصياد. وقد ورد الظمأ في ثلاث آيات في القرآن الكريم وهو المقصود في العنوان، قال تعالى:
«ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ» التوبة: 120 وقوله تعالى: «وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى» طه: 119، وقوله تعالى: «يحسبه الظمآن ماء» النور: 39، وورود كلمة ولا تضحى أي في الجنة وأهلها مبعدون ومحجوبون عن مسببات الظمأ ومن ذلك حر لهيب الشمس فهم في ظل دائم. أما في الحديث النبوي فقد ورد قوله -صلى الله عليه وسلم-: « مَن سقى مسلمًا على ظمأٍ سقاه اللهُ عزَّ وجلَّ من الرحيقِ المختومِ»، وقوله: «ذهب الظَّمَأ وابْتَلَّتِ العروقُ وثبت الأجر إن شاء الله».
والمثير لهذا كله قصيدة يتردد صداها تثير البكائية والإطراب معا، ومعاناة قائلها يتمثل الموقع بها أحسن تمثيل، والبيت الشهير منها:
يا وجودي عليها وجد من فاطـرٍ له
غرّه النوم عنها في فروع المظامـي
والنوم سلطان -كما يقال- إلا أن غيره في الغرور المفوِّت مالا يتناهى حصره، والبيئة التي تجسّر عليها شاعر القصيدة (ضويحي الهرشاني) ليست غريبة عليه ولا قومه، فلهم مهارة في الدلالة في معرفة الأماكن والرعي والمقانيص والمغازي، وهي بيئة متسعة في (الدبدبة والصمان والدهناء والصُّلب والحْجَرَة) وقد يتمدد ترحالهم وتجوالهم أوسع من ذلك وليس هذا مجال حصر مهارتهم وشهرتهم، فهذا له حديث عندي آخر يتسق معنى ومبنى وتاريخا وتعريفا.
ومدار الحديث وارتكازه على شطري العنوان (فرع وظمأ) وما بهما من دلالة واسعة تقارب ما ذهب إليه (فرانسوا جوليان) عند شرح فلسفته في مراوغة المعنى أي؛ انزياحه وتشظيه إلى آفاق فكرية جديدة، وسلوكه أسلوبًا اشتقاقيًا تصعب محاكاته في اللسان على -حد زعم المترجم وإن كانت العربية واسعة الاحتواء- ويخص بذلك «اشتقاق الصفات التي تنكشف مقابلاتها العربية عن الوضوح الكافي: كبداية الوجود التي لاتني تتشكل نزوعيا» وللمتمعن أن يمعن هل هذا النزوع اللساني هو جذب للالتحام أم للانفصال؟ وليس بعيدًا من هذا الكلام قول (لاي هانت): «ليس هناك خطأ في العالم أكبر من البحث عن كل مصدر للهراء (للسفاسف) لأجل الوصول إلى معنى!» أي مرواغة المعنى واتساعه.
فالفرع يأتي منقسمًا عن الأصل، ويأتي بمعنى الأعلى أي: فروع الجبال وأعالي الأودية. والمظامي تأتي بمعنى البعد عن الماء، و علاقة هذين البعدين بالعنوان لا تمت بصلة لفروع الأصل أي التشعب عن شيء واحد، والظمأ إلا بناحية دلالية معنوية، يتفق فيهما الاسم ويختلف سياق المعنى، وما أراد الشاعر قوله بقول جامع مانع هو البعد عن الماء، وسرّ ذلك إن معنى الفروع في المظامي ليست الارتفاع في الأرض، وإنما نهاية السير في أقصى المراعي والبعد بعدًا شاسعًا عن الماء الذي يشرف بالراعي على الهلاك، وقلّ من يضبط مثل هذه الدلالات تعليلًا وتدليلًا ويرتبها ترتيبًا منهجيًا يدل عليه الاستعمال بالبسط والرصد المشاع تداوله «إن الخصائص الدلالية للكلمات تحدد ما الذي يمكن أن تتآلف معه الكلمات الأخرى، فالجملة التي استخدمت بشكل كبير من قبل اللسانيين ... تبين تلك الحقيقة جيدا». وتلقف الاستعارة باب متسع تختلف مستوياته توظيفًا وتوطينًا وجردًا وفردًا حتى تُعرف العينُ من الحاجب، فإذا أردنا أن نبين ما عليه الأوائل فيما يطابق معنى الفروع والمظامي، وإن المعاني وإن اختلف حبكها وتسميتها لا ضابط لها إلا السياق ونية القصد بفهمٍ لا ينتقض غزله أنكاثا، فلنتأمل مثلا قول عنترة:
كم مهْمهٍ قفْرٍ خُضتُهُ
ومفاوِزٍ جاوزتُها بالأبْجَرِ
فهذا البيت يكتنز معاني هي عينها الفروع والمظامي المسببة للهلاك المردي الذي لا نجاة منه إلا بفضل الله تعالى، فالمفازة هي النجاة والمجاوزة هي القطع والوصول، والمهمه والقفر والخوض كل منها له دلالة تحتاج إلى تقريب وترتيب لكنها تشير إلى المكان المفزع الخالي بوضوح لا لبس فيه.
ويصل الحطيئة ما سبقه إليه ابن عمه، حين قال:
ألقَت قُتُودي بالمُوماةِ وانزهقَت
كأنها قاربٌ أقرابه لَهِقُ
ولو شرحنا بيت جرول عن القتود، وانزهقت، وتشبيه القارب وأقرابه، واللهِق؛ فكل معنى يحتاج إلى استدناء الأدلة ومصادر المجنى وتدبيج الصفحات حتى يتضح بسط المعاني وتراتبها؛ أي أصل الشيء كما يقال عن وكر الصقور أو معادن الرجال، فيقال: من طيب مجناه أي معدنه والمعاني يجرّ بعضها بعضا، وشيخ تميم الدارميّ العلم الشهير الفرزدق تناول المعنى فقال:
طَرقَتْ نَوارُ ودون مطرقِها
جذْبُ البُرى لنواحل صُعْرِ
ورواحُ مُعْصِفةٍ وغدوتُها
شهرًا تواصلُه إلى شهْرِ
أدنى منازِلِها لطالبِها
خمْسِ المُؤوِّبِ للقطا الكُدرِ
وإذا أنامُ أَلمَّ طائفُها
حتى ينبّهَ أعينَ السّفرِ
وهذا المقتطع من المقطوعة الذهبية أي ما انتخبناه ولم نكمله احتوى: دون ومطرق وجذب البرى والنواحل ومعصفة وغدوة وشهر إلى شهر وخمس المؤوِّب للقطا والنوم وتنبه عين السفر، هو ما احتواه العنوان وغرور النوم، فإن أهل المظامي هم في سفر عن الماء والأهل، والقطا يستخدم للسفر عبر المجاهل، فأي قياس لسرعة القطا مقارنة بالرواحل، فالطائر هو طائرات ذلك العصر فتأملوا القياس والمُقاس عليه.
ونختم هذه المجاهل بقول العامري ابن الملوح:
وما يسلكُ الموماةَ من كلِّ نِقْضّةٍ
طليحٍ كجَفنِ السيفِ تُحدى بموكِبِ
وسيتبين قرب ما قال الهرشاني منه حذو القذة بالقذة، فيما يشتركان به من الحب والبين وسلوك المفاوز التي لا أنيس بها ولا جليس.
راعي القرن الاشـقر شد قلبي وتـلـه
بيّح السـدّ مني عقب مانـي بكـامـي
عـنـز ريمٍ تقود الصيد دقـه وجـله
عذبت ناقل البندق سريع الولامي
ياوجودي عليها وجـد من فاطرٍ لـه
غره النوم عنها في فروع المظامـي
فوقها قربته وحذاه مع مزهبٍ لـه
واختفت جُرة الفاطر غطاها العسامي
خـابـر الـما بـعـيدٍ والدحل مايدلـه
وما حواليه من يعطيـه حمض العَلامي
احتوت هذه الأبيات الوصف البديع للقرن وتل القلب وتبياح السدّ والكامي بمعنى الإخفاء الذي استفاض، وعنز الريم القائدة التي تنتقل من أرض إلى أرض ومعلوم ابتعادها في الصحاري والقنّاص النشيط، وكذلك ما تناوله العنوان من المظامي. والذلول أي الفاطر التي تصبر على السير وقد اشتد صلبها، والقربة والحذا التي قلّ أن يحسن السير إلا بها، والمزهب أي مايحتوي المؤنة. وغطاها العسامي أي طمس الأثر، والخبر المعرفة عن بعد مكان الماء، وكذلك الدحل الذي يذكر ويخفى مكانه على هذا الراجل المشرف على الهلاك ولم ير أحدًا يعطيه حمض العلام (الأخبار)المفيدة، والزبدة كما يقال: إن الهرشاني استعمل تركيب (فروع المظامي) كناية عن الموماة والمفازة والهلاك المحقق للموت مبنى ومعنى لا تخطئه عين البصير العارف بالتراث قديمه وحديثه، حاولنا في طرحنا وشرحنا الإلمام المقتضب. كل هذا وذاك أتى في روائية تنضد الأحداث سردًا متتابعًا، كل مجال منه متعدد البِنيات جزئية وكلية، جواهر في جيد حسناء نضدها صائغ ماهر، والجزيرة الثقافية هي سوق هذه المعاني لجالبيها ومشتريها بزت غيرها من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية، وبها نخبة من الجنسين ثاقبي البصارة في محتوى هذه التجارة، قل أن يفوت أعينهم ومجاهرهم أي عنصر مضاف لا يمت إلى صنف زُيّف عليه.
** **
- باحث يهتم بالتراث الجغرافي والقبائل