مهدي آل عثمان
في يوم الأربعاء 11 فبراير 2026، ودّعت الساحة الثقافية السعودية الناقد والأكاديمي البارز سعيد السريحي، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفكري والنقدي امتدت لعقود. رحل الجسد، لكن أثره ظل حاضراً في الكتب، وفي ذاكرة طلابه، وفي النقاشات التي كان أحد أبرز صانعيها في المشهد الثقافي السعودي المعاصر.
لم يكن السريحي مجرد اسم عابر في قائمة النقاد، بل كان صوتاً شكّل حالة فكرية متكاملة، وأسهم في إعادة تعريف العلاقة بين النص والقارئ، وبين التراث والحداثة، وبين المثقف ومجتمعه. آمن بأن النقد ليس ترفاً معرفياً، بل ضرورة لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية، وأن الأدب مرآة دقيقة تعكس أسئلة الهوية والتغير.
نشأ في زمن كانت فيه الحركة الثقافية السعودية تتشكل في صورتها المؤسسية الحديثة، فكان جزءاً من جيل حمل همّ التأسيس والتطوير معاً. ومع انتقاله إلى العمل الأكاديمي في جامعة الملك عبدالعزيز، لم يكن أستاذاً تقليدياً يكتفي بشرح النظريات، بل كان صاحب مشروع نقدي يسعى إلى تفكيك النصوص وإعادة قراءتها وفق مناهج حديثة، دون أن ينفصل عن سياقها الثقافي والاجتماعي.
في مقالاته الصحفية كما في دروسه الجامعية، بدا واضحاً أنه ناقد منحاز إلى السؤال أكثر من انحيازه إلى الإجابة الجاهزة. كان يرى أن النص الأدبي لا يُختزل في معنى واحد، وأن القراءة عملية مفتوحة تتجدد بتجدد الزمان والوعي. لذلك انفتح على المناهج النقدية الحديثة، واشتغل على الرواية والسرد بوصفهما مساحة لاكتشاف تحولات المجتمع السعودي، وتعبيراً عن تحولات الوعي الجمعي.
لم تكن جرأته الفكرية بحثاً عن الجدل بقدر ما كانت إيماناً بأن الحوار علامة صحة في أي حراك ثقافي. كان حاضراً في الندوات والملتقيات، يطرح رؤيته بثقة وهدوء، ويناقش المختلفين معه بعقلية العالم الذي يرى في الاختلاف فرصة للتطوير لا سبباً للخصومة. لم يسعَ يوماً إلى إرضاء الجميع، بل إلى تحريك المياه الراكدة وإثارة الأسئلة الضرورية.
على مستوى التأثير، ترك السريحي أثراً واضحاً في أجيال من الطلاب والباحثين الذين تتلمذوا على يديه، أو تأثروا بأعماله ومقالاته. جمع بين الأكاديمية الصارمة والحضور الإعلامي الفاعل، فكان قريباً من القارئ العام كما هو قريب من الباحث المتخصص. وهذا الجمع بين العمق والبساطة منح مشروعه مساحة أوسع للتأثير.
كما كان حضوره متزامناً مع التحولات الكبرى التي شهدتها الثقافة السعودية خلال العقود الأخيرة؛ تحولات اتسمت بالانفتاح وتعدد الأصوات واتساع مساحة النقاش. وكان صوته النقدي أحد الأصوات التي أسهمت في ترسيخ فكرة أن الثقافة ليست هامشاً، بل جزء أصيل من مشروع التنمية الوطنية.
برحيله في الحادي عشر من فبراير 2026، فقدت الساحة الثقافية أحد رموزها الذين آمنوا بأن الكلمة مسؤولية، وأن النقد بناءٌ للوعي لا هدمٌ للثوابت. لقد تعامل مع النصوص بوصفها كائنات حية، ومع القراء بوصفهم شركاء في صناعة المعنى، فأسهم في نقل النقد من دائرة التلقين إلى فضاء الحوار.
اليوم، ونحن نستعيد سيرته، لا نقف عند لحظة الفقد، بل عند قيمة الإرث الذي تركه. فالمثقفون الحقيقيون لا يُقاس حضورهم بطول أعمارهم، بل بعمق أثرهم. وسعيد السريحي ترك أثراً سيظل حاضراً في كل قراءة جادة للنص، وفي كل نقاش يسعى إلى فهم التحولات الثقافية بوعي ومسؤولية.
رحم الله سعيد السريحي، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وجزاه عن الثقافة السعودية خير الجزاء. لقد أدى رسالته بصدق، وترك خلفه مشروعاً معرفياً يستحق أن يُقرأ، وأن يُستعاد، وأن يُبنى عليه، ليبقى اسمه مرتبطاً بصوت الحداثة النقدية في السعودية .