د.عبد العزيز سليمان العبودي
تعتبر قضية الهزيمة الإنسانية من أكثر القضايا التي شغلت الفكر الفلسفي والنفسي عبر العصور. وفي هذا السياق نشرت دار لامبيرت في سبتمبر 2024 كتاب «كل هزيمة في الحياة مصدرها نفسي» للكاتب خريتيش سوارجياري، والترجمة بالمعنى للعنوان الأصلي «Until death all defeat is psychological».
يعرض الكاتب فيه مقاربة نوعية لفهم كيفية تفاعل الوعي مع التحديات الوجودية. حيث ينطلق من رؤية، أن الإنسان لا يواجه العالم كمرآة عاكسة، بل كذات صانعة للمعنى؛ فالأحداث الخارجية لا تكتسب صفة الهزيمة إلا عندما تُستوعَب داخلياً كعجز أو فشل نهائي. هذه الأطروحة تعيد الاعتبار للإرادة الإنسانية وقدرتها على إعادة التأطير المعرفي، مؤكدة أن المعركة الحقيقية تدور في أعماق العقل، حيث تتصارع السرديات الذاتية بين التمكين والانكسار.
وبذلك يرى الكاتب أن الهزيمة ليست لحظة مباغتة يفرضها الحظ، بل عملية نفسية تراكمية تبدأ بتسرّب الشك. فعندما يتعرض الفرد لضغوط خارجية، يبدأ في التشكيك بقدراته، وإذا لم يُعالج هذا الشك عبر إعادة الهيكلة المعرفية، يتحول إلى قناعة، ثم إلى سلوك انسحابي، وفي النهاية إلى واقع يكرّس الهزيمة؛ لذلك يرى الكاتب، أن العقل يمكن أن يكون حصناً منيعاً، أو سجناً ضيقاً تبعاً لنوعية الأفكار التي نغديه بها. بالإضافة إلى ذلك، فهو يرفض اختزال التعليم في الذاكرة، مؤكداً أن المعرفة الحقيقية هي ما يُطبّق في الحياة، وأن كثيراً من المتعلمين يشعرون بالعجز خارج قاعات الامتحان لأنهم لم يتعلموا تحويل المعرفة إلى قوة نفسية وفاعلية ذاتية.
وتنبع الهزيمة النفسية كما يرى الكاتب، من محاولة الإنسان السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه من تقلبات الأحداث، وذاكرة الماضي، وأفعال الآخرين، بينما يهمل سلطته الحقيقية والكامنة في عقله واستجابته للأحداث. ويشرح كيف أن تقنيات مثل التأمل في السلبيات أو تصور أسوأ السيناريوهات ليست تشاؤماً، بل أدوات لبناء مناعة نفسية تمنع الصدمة الكبرى. ويتم ذلك عبر اختبار مشاعر الفرح والحب والتعاطف بوعي منظم، بعيداً عن المعتقدات الخاطئة مثل الظن بأن نجاح الآخرين ينتقص من نجاحنا، أو أن الألم الجسدي يعني هزيمة الروح. ويستشهد المؤلف برواية الشيخ والبحر لهمنغواي، حيث يمثل سانتياغو رمزاً للصمود الإنساني الذي يتجاوز القوة المادية؛ فصراعه مع البحر وأسماك القرش صراع من أجل البقاء، يثبت أن الروح التي ترفض الانكسار تظل منتصرة، حتى لو ضاعت الغنيمة.
ويشير الكاتب إلى أن لكل فرد قصة داخلية يكررها باستمرار؛ فإذا كانت هذه القصة مبنية على الخوف أو النقص أو تجارب الماضي المؤلمة، فإنها تحصره في رؤية ضيقة تجعل الهزيمة أمراً محتوماً. ويصف هذا الوضع بأنه «سجن أبوابه مفتوحة لكننا نرفض الخروج منه». ويتطلب تغيير هذه السرديات شجاعة لمواجهة المخاوف وإعادة بناء العلاقة مع الذات عبر استراتيجيات علم النفس الإيجابي والعلاج المعرفي السلوكي والقبول والالتزام. ويؤكد أهمية استكشاف العالم الداخلي للفرد وتحديد الافتراضات التي تشكل رؤيته للواقع، رابطاً بين القوة النفسية والمسؤولية الاجتماعية.
ويخلص إلى أن الهزيمة ليست حدثاً مفاجئاً، بل فكرة تتسلل ببطء، فإذا استقرت في الداخل أغلقت أبواب النجاح. أما حين تبقى الإرادة حيّة، فإن كل سقوط يتحول إلى بداية جديدة. ويظهر الألم هنا كرفيق لا بد منه؛ ليس علامة على الفشل، بل امتحان يكشف المعادن الحقيقية، ويصقل الإرادة، ويمنح القوة لمن يواجهه. فالذين يهربون منه يبقون في أماكنهم، أما الذين يقتربون منه فيفتح لهم أبواباً لا تُفتح لغيرهم. وفي الخلفية يقف الانضباط كقوة صامتة، ثابتة رغم تقلب الحماس، تمد الطريق بخطوات صغيرة تُبنى منها الإنجازات الكبرى. كما تلعب البيئة المحيطة دوراً حاسماً؛ فالأرواح التي تعيش بين المتشائمين تنطفئ، والأحلام التي تُحاصر بالأصوات الهابطة تذبل، بينما تتسع الروح حين تجد نفسها بين من يؤمنون بالنور.
وتبقى الحقيقة الكبرى: كما يرى الكاتب، بأن الموت وحده هو الهزيمة الحقيقية. فما دامت في الجسد عرق ينبض، فكل نهاية يمكن أن تتحول إلى بداية، وكل فشل يمكن أن يصبح درساً، وكل طريق يمكن إعادة رسمه. فالحياة لا تُهزم من الخارج، بل تُهزم حين يستسلم صاحبها في داخله. وتتحدد مسارات البشر بقرارات داخلية هادئة لا يراها أحد؛ قرارات بأن يكون الإنسان أقوى من الظروف، وأكبر من الألم، وأكثر ثباتاً أمام ما يعترضه. ومن هذه القرارات تُكتب القصص وتُصنع التحولات ويولد النصر من رحم الإصرار.
تتلخص رسالة الكاتب في أن الحياة مساحة مفتوحة للتجربة وإعادة البناء، وأن عنوان الكتاب «حتى الموت» تذكير بأن الموت وحده هو النهاية، أما ما قبله فمجرد فصول في قصة لم تنتهِ بعد. فكل خسارة ليست سوى جولة في حرب طويلة، وكل هزيمة ليست قدراً محتوماً، بل تفسيراً يمكن تغييره.
ويقدم الكتاب خارطة طريق لاستعادة القوة الداخلية، مؤكداً أننا لا نُهزم بظروفنا، بل بتأويلاتنا لها، وأن مواجهة الشك والقول «لم ينتهِ الأمر بعد» هي الخطوة الأولى نحو تحويل العثرات إلى لبنات نجاح.
وفي الختام، يبرز الكاتب كأحد المفكرين الذين جمعوا بين الحكمة القديمة والعلوم الحديثة، مقدماً رؤية متوازنة تؤكد أن مفتاح القوة يكمن في السيادة الذهنية، وأن الهزيمة قرار نفسي يمكن التراجع عنه ما دام القلب ينبض. فالروح التي ترفض تعريف الفشل تظل روحاً لا تُقهر.