ليس كل لقاء جامعي يُقاس بما قيل فيه، فبعض اللقاءات تُقاس بما تتركه في وعي الطالب بعد أن تنتهي. استضافة جامعة الملك عبد العزيز لوزير الطاقة صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود (في السابع من شعبان 1447هـ) لم تكن حدثًا عابرًا في أجندة الجامعة، بل كانت جلسة حوارية عالية القيمة كشفت لطلبتنا كيف يفكّر القادة حين تتحول الرؤية إلى قرار، والقرار إلى إنجاز. وزاد من تميزها دماثة الخلق وحسن اللفظ وبشاشة القول ولطافة التواصل مع الكبار والصغار التي يتمتع بها سمو الأمير عبد العزيز بن سلمان.
لقد حوى اللقاء العديد من المعاني والحكم والحكايات، التي ستبقى راسخة في نفوس طلابنا، كقيم تعليمية ومعرفية عالية يمكن أن تُحدث فارقًا حقيقيًا في جاهزية الطالب، وثقته بنفسه، وفهمه لدوره المستقبلي. وفي زمن تتسارع فيه التخصصات وتتداخل فيه المسارات، تبقى مثل هذه الحوارات من أقوى أدوات الجامعة لبناء طالب يفهم العالم، لا يدرسه فقط.
ولعل ما ميّز حديث سموه الكريم أنه لم يتناول قطاع الطاقة من زاوية تقنية ضيقة، بل قدّم ملامح شاملة للجاهزية، والقيادة، والشغف، وطبيعة العمل في عالم معقّد ومتغير. وهي ملامح تمس جوهر ما يحتاجه الطالب اليوم، بغض النظر عن تخصصه. أحد الأسئلة المحورية التي طُرحت كانت: كيف نعرف أن الخريج جاهز فعلًا لسوق العمل؟
جاءت نصيحة سموه واضحة ومباشرة عند الحديث عن مفهوم الجاهزية المهنية؛ فالجاهزية كما أكد سموه لا تُقاس بالشهادة وحدها، ولا تُختزل في المعدل أو التخصص، بل تُبنى على منظومة من السلوكيات والقيم العملية التي تظهر في الأداء اليومي قبل أي اختبار وظيفي. قيم مثل: الالتزام، وإدارة الوقت، وفهم طبيعة العمل وسياقه الحقيقي، والاتساق في الأداء. هذه ليست مجرد تفاصيل ثانوية، بل تشكّل الأساس الحقيقي للنجاح المهني والاستمرارية في أي مجال.
وحين تحدث سموه عن سيدي خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد (حفظهما الله)، كان حديثه ملهماً عن قيادة حكيمة تحترم الوقت، تعمل بخطط واضحة، وتُنجز ما تُقرره. هذه الرسالة، حين تصل للطالب، تعيد تعريف القيادة في ذهنه: فالقيادة ليست مجرد القدرة على أداء المهام الكبيرة، بل قدرة على التنفيذ، والمثابرة، والإيمان بأن المستحيل قابل للتحقق مع صدق الشغف واستمرار المحاولة.
ومن أعمق الرسائل التي لامست الطلبة من وجهة نظري حديث سموه عن الشغف. ليس الشغف اللحظي، حيث أكد سموه أن الشغف لا يأتي بالصدفة، بل يُختبر عبر التجربة، والعمل، وإعطاء المجال فرصة حقيقية قبل الحكم واتخاذ القرار. وهذه نقطة محورية وملهمة في تجربة الطالب الجامعية: أن يجرّب، أن يخطئ، أن يعيد التوجيه لمساره، لا أن يستسلم ويحسم أمر مستقبله من أول محاولة قد لا تُثمر.
ولعله يجدر بنا الإشادة بإدارة جامعة الملك عبدالعزيز بقيادة ربانها، سعادة رئيس الجامعة، الدكتور طريف بن يوسف الأعمى على تبني ودعم مثل اللقاءات التي تنقل الخبرات لطلاب ومنسوبي الجامعة وتترك الأثر الجميل في مستقبلهم المهني والعلمي.
وأختم بكلمة لا تُنسى، قالها سموه لشباب المستقبل، أحفاد المؤسس، في جامعة المؤسس: هذه بلدكم، وأنتم الأكثر حرصاً والأجدر بأن تفخروا بتنفيذ رؤية 2030، ومخرجات هذه الرؤية أنتم أول من سيجني ثمارها.
** **
د. رنا بنت عبد الله الغامدي - الأستاذ المشارك بجامعة الملك عبدالعزيز