د. ناهد باشطح
فاصلة:
«أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي أن نصنعه»
-العالم الحاسوبي الأمريكي ألان كاي-
***
تخصصت هذه الزاوية الأسبوعية في تفنيد الأخبار الكاذبة والمزيفة في محاولة اسهام للتوعية بمميزات استخدامات الذكاء الاصطناعي في مجال الإعلام وفي نفس الوقت التنوير حول تحديات استخدامه، ولذلك فإن خبراً مثل اعلان المنتدى السعودي للإعلام عن وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام تؤكد أن الأخبار الكاذبة هي أحد أخطر مخرجات سوء استخدام الذكاء الاصطناعي، وجاء الميثاق ليضع إطارًا أخلاقيًا ومهنيًا يحدّ من هذا الخطر، إذ أن سهولة تصنيع الاخبار وإنتاج الصور والمقاطع مزيفة وسرعة انتشارها فلا يُعرف من كتب الخبر ولا من يتحمل تبعاته يؤكد خطورة التضليل الإعلامي
ومن هنا يأتي دور ميثاق مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام؟
الميثاق لا يحارب الخبر الكاذب بشكل مباشر فقط، بل يضرب جذوره ويعد بمثابة خطوة رائدة ليست في السبق وانما في التخصيص.
في النقاشات المطروحة حول الذكاء الاصطناعي في المنطقة، غالبًا ما يُختزل مفهوم الريادة في سؤال التوقيت: من سبق؟ ومن أعلن أولًا؟
غير أن هذا المعيار، رغم انتشاره، لم يعد كافيًا في الوقت الذي تحوّل فيه الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى عنصر مؤثر في تشكيل الوعي العام، ولا سيما عبر قنوات الإعلام ومساراته.
فبينما اتجهت دول عدة إلى صياغة أطر وطنية عامة تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، اختارت السعودية مسارًا متطورا بعدما حددت أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي إلى خطوة رائدة تقوم على التخصيص بدل التعميم، انطلاقًا من إدراك أن أخطر استخدامات هذه التقنية لا تظهر في مجال العلوم التقنية ، بل أيضاً في صناعة الخبر.
الأخبار الكاذبة اليوم لم تعد نتاج اجتهادات فردية او أخطاء مهنية، بل أصبحت غالباً محتوى مُنتجًا آليًا، قادرًا على التزييف، ثم الانتشار بسرعة تفوق قدرة أدوات التحقق التقليدية، وهنا يكمن التحدي إذ لا يعود الذكاء الاصطناعي تقنية متطورة بل يصبح له تأثير مباشر على المصداقية.
من هنا، تكتسب وثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام أهميتها، لتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي على امتداد دورة حياة المحتوى الإعلامي، من الإنتاج إلى النشر وإعادة التداول عبر المنصات الإعلامية.
الوثيقة جاءت نتاج تكامل مؤسسي بين الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» وهيئة الإذاعة والتلفزيون وهيئة تنظيم الإعلام، في ظل التوسع لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وما يصاحب ذلك من تحديات تتعلق بانتشار المحتوى المضلل وتقنيات التزييف العميق وتأثيرها في الرأي العام.
واستندت الوثيقة إلى ثمانية مبادئ رئيسة، تشمل: الشفافية والإفصاح، والمصداقية وسلامة المعلومات، وحماية الخصوصية، ومنع المحتوى المضلل، والمسؤولية والمساءلة عبر دورة حياة المحتوى، والنزاهة وعدم التحيز، وتمكين الجمهور، وتقييم الأثر والامتثال التنظيمي. وهي مبادئ لا تكتفي بتنظيم استخدام التقنية، بل تنقل النقاش إلى مستوى تنظيم أثرها الإعلامي.
انّ مبادئ الوثيقة شكلت مفهوما مختلفا للتميّز، فالريادة هنا لا تقوم على السبق الزمني، بل على اختيار ساحة المواجهة، اذ لا يمكن فصل تنظيم الذكاء الاصطناعي عن حماية الحقيقة، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الخطوة السعودية بوصفها محاولة لسد فجوة إقليمية، والانتقال من الاحتفاء بالتقنية إلى مساءلتها مهنيًا، واختيار مواجهة السؤال الأصعب.
والريادة السعودية هنا لا تقوم على كونها الأولى زمنيًا، بل على كونها الأكثر تحديدًا في تشخيص الخطر.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المؤسسات الإعلامية في الالتزام بمبادئ الوثيقة وتطبيق معاييرها في غرف الاخبار وتدريب الصحافيين والمحررين على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بوعي مهني؛ فالاستثمار في هذا المجال يتعلق بحماية الجمهور وتشكيل الرأي العام.