عبدالرزاق الجمل
يعد فرع تنظيم القاعدة في اليمن من أكثر فروع التنظيم التي جرى استثمارها سياسيا وأمنيا، ليس بسبب قوته الذاتية فقط، بل نتيجة البيئة اليمنية غير المستقرة، إضافة إلى تعدد الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، وتحول ملف «مكافحة الإرهاب» إلى عملة رابحة لمن يجيد استخدامها.
في اليمن، لم يكن الإرهاب مجرد تهديد أمني، بل ورقة تفاوض، وأداة نفوذ، ومدخلاً للشرعية والدعم الخارجي، وهو ما جعل هذا الملف حاضراً بقوة في كل التحولات الكبرى التي شهدها البلد خلال العقدين الماضيين.
منذ وقت مبكر، أدرك نظام الرئيس الأسبق، علي عبدالله صالح، القيمة السياسية لملف القاعدة، فتعامل معه باعتباره ورقة إستراتيجية لا خطراً وجودياً.
احتكر صالح كل ما يتعلق بهذا الملف بشكل شبه كامل، وأدار علاقته به بصورة تضمن استمرار تدفق الدعم الغربي، خاصة من الولايات المتحدة، التي كانت ترى في اليمن رأس حربة لمواجهة التنظيمات المتطرفة.
وبالفعل، نجح صالح في تحويل هذا الملف إلى مصدر دعم مالي وسياسي كبير، رغم أن الشكوك الأمريكية حول تلاعب نظامه كانت حاضرة باستمرار. غير أن تلك الشكوك لم تتحول إلى قطيعة، لسببين رئيسيين: غياب دليل قاطع يثبت التلاعب، وغياب بديل جاهز يمكن الوثوق به لإدارة ملف بالغ الحساسية مثل مكافحة الإرهاب.
بلغ الاستثمار في هذا الملف ذروته خلال احتجاجات 2011 المطالبة بإسقاط نظام صالح. حينها أصبح مصير السلطة في اليمن مرتبطا بشكل مباشر بملف القاعدة. استخدم نظام صالح خطاب التخويف من انهيار الدولة وانتشار التنظيم، وذهب إلى حد التحذير من سقوط خمس محافظات يمنية بيد القاعدة في حال سقوطه. لم يكن هذا الخطاب مجرد تهويل، فقبل سقوط النظام، تمكن التنظيم فعلا من السيطرة على محافظة أبين وأجزاء من شبوة عام 2011. غير أن المعارضة اتهمت النظام بتسليم تلك المناطق للتنظيم، وهو اتهام كان صحيحا جزئيا، لكنه في الوقت نفسه عكس استثمار المعارضة لهذا الملف، لا سيما في صراعها مع صالح على كسب ثقة واشنطن.
أدركت المعارضة اليمنية في ذلك الوقت أن ملف الإرهاب هو المحدد الأساسي لموقف الولايات المتحدة من أي سلطة قادمة، ولذلك سارعت إلى تقديم وعود بتعاون أمني يفوق ما كان يقدمه نظام صالح.
تصريحات وزير الدفاع الأمريكي حينها، ليون بانيتا، عكست هذا القلق الأمريكي من فقدان الامتيازات الأمنية التي حصلت عليها واشنطن خلال عهد صالح. وفي السياق ذاته، أقر السفير الأمريكي لدى اليمن حينها، جيرالد فايرستاين، بعقد لقاءات منتظمة مع قيادات في المعارضة داخل السفارة الأمريكية، مؤكدا أن مواقفهم تتوافق مع الرؤية الأمريكية في مجال مكافحة الإرهاب. هذا التوافق، إلى جانب حماس المعارضة لتعاون «حقيقي» غير قائم على التلاعب، كان من الأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى التخلي عن صالح لصالح معارضيه.
لكن فترة الرئيس هادي أثبتت أن التعاون الأمني وحده لا يكفي، فبرغم التنسيق الكبير مع واشنطن، استعاد التنظيم قوته بشكل غير مسبوق. وهذا أكد أن محاربة الإرهاب بالاتفاقات الأمنية فقط، وتجاهل الوضع السياسي المتدهور، هي معركة خاسرة.
ومع سقوط نظام هادي ودخول اليمن في مرحلة حرب مفتوحة، عاد ملف الإرهاب ليستثمر مجددا، ولكن هذه المرة من قبل فاعل خارجي أكثر تنظيما وطموحا: دولة الإمارات.
دخلت الإمارات اليمن تحت عنوان المشاركة في التحالف العربي، لكنها سرعان ما جعلت من ملف مكافحة الإرهاب بوابة لبناء نفوذ مستقل في الجنوب.
وبطريقة تشبه إلى حد بعيد نهج نظام صالح، سعت أبوظبي إلى احتكار هذا الملف بالكامل، عبر تشكيل مليشيات محلية موالية لها، وتفكيك أو إقصاء أي تشكيلات عسكرية لا تدين بالولاء المباشر لها.
لم يكن الهدف هزيمة التنظيمات المتطرفة بقدر ما كان السيطرة على الجغرافيا والقوة، وتقديم نفسها كشريك لا غنى عنه في الحرب على الإرهاب.
خاضت الإمارات، عبر أدواتها المحلية، معارك دامية ضد القوات الحكومية في أبين وشبوة بين عامي 2019 و2021، ثم معارك أكثر حسما في 2022 انتهت بطرد القوات الحكومية من عاصمة شبوة ومن المحافظة بأكملها. لاحقا، امتد الطموح الإماراتي نحو وادي حضرموت والمهرة في 2025، في محاولة لاستكمال السيطرة على الجنوب تحت لافتة «مكافحة الإرهاب».
في كل هذه المعارك، كان الخطاب واحدا: الحرب على القاعدة. لكن الواقع على الأرض كان يقول شيئا آخر.
فالمعارك التي خاضتها الإمارات ضد القوات الحكومية كانت سريعة وحاسمة، في حين أن مواجهاتها مع تنظيم القاعدة بدت محدودة، وغير حاسمة، ولم تحقق نتائج تذكر.
بل إن التنظيم، في كثير من الأحيان، ظل محتفظا بقدرته على الحركة والتجنيد، ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة هذه الحرب.
تشير الوقائع إلى أن الإمارات حرصت على بقاء التنظيم في حالة «قوة قابلة للاستخدام»، بحيث يظل ملفه حاضراً وجاهزاً للاستهلاك السياسي والأمني عند الحاجة.
خاضت الإمارات ما يمكن وصفه بمعارك وهمية ضد التنظيم في معاقله التاريخية، وتركت القوات الجنوبية التي تقاتل نيابة عنها عرضة للاستنزاف، رغم امتلاكها القدرة على إسنادها جويا وتحقيق نتائج حاسمة.
كما ركزت على استهداف قيادات معتزلة أو هامشية، وقدمت ذلك على أنه إنجاز كبير، مع تضخيم إعلامي لعمليات لا تغير شيئا في ميزان القوة الحقيقي. بهذه الطريقة، تحولت مكافحة الإرهاب إلى عرض سياسي أكثر منها استراتيجية أمنية.
يمكن القول: إن الإمارات كانت آخر المستثمرين الكبار في ملف الإرهاب في اليمن، لكنها لم تكن الأذكى في إدارة نهايته. فاحتكار الملف، وإفراغه من مضمونه الأمني الحقيقي، واستخدامه أداة لإقصاء الخصوم، أدى في النهاية إلى انقلاب المعادلة.