د. سامي بن عبدالله الدبيخي
لم تعد المدن اليوم مجرد تجمعات سكانية أو عمرانية، ولا مجرد كتل خرسانية وشبكات طرق، بل أصبحت كائنات تنبض بالحياة وتعج بتفاعلات الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في مواجهة تحديات معقدة ومتغيرة باستمرار. كل هذا يتطلب أدوات دقيقة لمتابعة هذا النمو بتحدياته وتفاعلاته لتحليله وفهم محدداته واستشراف توجهاته، وهنا يبرز دور المرصد الحضري كمحرك معرفي وأداة حيوية لإدارة القضايا الحضرية، وركيزة أساسية لتخطيط المدن الحديثة.
إن المرصد الحضري أكثر من مجرد قاعدة بيانات أو نظام إحصائي، وإنما هو منظومة مؤسسية تشاركية تعمل على جمع وتحليل المعلومات المتعلقة بمختلف جوانب الحياة الحضرية وقطاعات المدينة ، كالسكن والنقل والبيئة والاقتصاد والمجتمع والثقافة، واستكشاف التفاعلات والتكامل بين القطاعات بشكل عميق في التحليل. وتكمن قوة المرصد في قدرته على تحويل الأرقام إلى مؤشرات تعكس الوضع الراهن وتكشف توجهاته ثم صياغة سياسات تخطيطية وقرارات قابلة للتنفيذ. وبالتالي فإن إنشاء مرصد حضري ليس رفاهية بل ضرورة حتمية لأي مدينة تسعى للاستدامة والازدهار من خلال معرفة نبضها اليومي. كم ساكنًا يتنقل يوميًا؟ كيف تتوزع الخدمات الصحية والتعليمية؟ هل يعاني حي معين من نقص في خدمات معينة؟ وكيف يتم تحديد أولويات التنمية؟ بهذا يكون المرصد أداة لمساعدة متخذي القرار في رسم سياسات مستندة إلى أدلة واقعية وتخطيط علمي بدلاً من الاعتماد على الحدس أو الاجتهادات التقديرية، مما يوفر الموارد ويوزعها بكفاءة لتحقيق العدالة المكانية. بهذا الأسلوب الذي يطور نماذج تنبؤية تحاكي سيناريوهات مستقبلية يتحول التخطيط من ردود أفعال متأخرة إلى استراتيجية استباقية تحتاط للمشاكل قبل تفاقمها وتمهد لمخططات تطويرية تضمن النمو المتوازن وتحقق التنمية المستدامة. يوفر المرصد أيضًا منصة مشتركة تجمع كل القطاعات حول مركز بيانات موحد يراقب مؤشرات المدينة عبر قطاعاتها المتعددة كالسكان والإسكان والاقتصاد والبيئة والنقل والخدمات العامة بهدف تحقيق التنسيق وتكامل الأدوار وتوحيد الرؤى بين كل هذه القطاعات. هذا يجنب المدينة مشكلة العمل في صوامع منعزلة، مما يولد تعارضًا في المشاريع وهدرًا للموارد والجهود. إن صانع القرار في المدينة بحاجة إلى مؤشرات لحظية وذات موثوقية تمكنه من قراءة التحولات الحضرية واستشراف مآلاتها. وهنا يأتي دور المرصد ليمده بلوحة تحكم دقيقة ومحدثة باستمرار لصنع السياسات الحضرية الفعالة وقياس كفاءة الخدمات المقدمة وتقدير الفجوات التنموية بين الأحياء.
فالمرصد كأداة لاستشراف المستقبل يساعد القيادات الحضرية في التعامل مع أكبر التحديات التي تواجه المدينة السعودية خاصة في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها وما يتطلب ذلك من اتخاذ قرارات استثمارية وتنموية لتحقيق مستهدفات رؤية 2030.
فإنشاء مرصد حضري فاعل هو بمثابة وضع المدينة أمام مرآتها الحقيقية، يرى صاحب القرار من خلالها مكامن قوتها وتحدياتها ويصوغ الخطط لمستقبلها بوعي ومعرفة تقود إلى تنمية متوازنة ومستدامة وأكثر إنسانية وازدهارًا. فالمرصد ليس ترفاً إدارياً، بل هو الشرط الأساسي لترجمة الخطط الاستراتيجية إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في تفاصيل يومه.