د. إبراهيم بن جلال فضلون
«السودان ليس مجرّد رقعة على خريطة؛ هي مملكة للناس، وقصيدة مكتوبة بالحياة»، تتردد في الذاكرة العربية، التي تعكس مكانة السودان الإنسانية والتاريخية العميقة، فعندما يسارع البعض إلى القول: فتش عن الجشع، فالجواب يكمن في هذا الداء.
كذلك عندما تُغتال مدينة كالعاصمة (الفاشر) بعد حصارٍ استمر 18 شهراً، فإن ما يُفقد ليس مبنى أو أرضاً فحسب، بل يستباح كيان إنساني يسكنه أطفالٌ ونساءٌ وشيوخ» يقبعون الآن تحت وطأة المجاعة والتشرد، والأرجح أن الأسباب هنا لن تقتصر على الأطماع وحدها، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالحروب الأهلية، كما هو حاصل الآن في السودان، وكذلك في ليبيا، وكما وقع سابقاً من حروب في بلدان كثيرة، من لبنان وسوريا والعراق، إلى الصومال ونيجيريا ورواندا، وصولاً إلى قبرص وإسبانيا وكمبوديا، يوقد شراراتِها في أغلب الحالات بسبب التقاء تضخم «أنا» الذات، أو الـ «EGO»، مع حسابات أطراف خارجية، بلا اعتبار لأبرياء الناس..
وهو ما ضرب السودان وهُم أسياد الذهب المسروق، منذ انفصال النفط بعد استقلال جنوب السودان، فقد صار يُنظر إلى الذهب كمنقذ اقتصادي للسودان. واليوم يتحوّل الذهب إلى لعنة أو شرارة «تُغذي حرباً أهلية وتُغرق البلد في نزيف اقتصادي لا يُطفئه بريق المعدن النفيس، كما في مناطق تعدين الذهب في دارفور، وخصوصاً حول (الفاشر)» التي صارت محور صراع، تُنهب فيها الثروات وتنزف فيها الدماء السودانية ومواردها الداخلية، بل تعداه إلى الاقتصاد الإقليمي، مؤثراً على دول الجوار وعلاقات السودان الاقتصادية، من التجارة إلى الاستثمارات. محولة صادرات السودان الزراعية، والسلع الأساسية التي طالما اعتمدت عليها الأسواق العربية، لانهيار وتكدس بسبب النزوح الشامل وانقطاع سلاسل الإمداد.
ليس بغريب ولا عجيب من ولي العهد السعودي والرائد الإنساني الأمير محمد بن سلمان أن يتدخل مباشرة لحل الأزمة السودانية، ليعترف ترمب: «ولي العهد السعودي طلب مني التدخل لحل الأزمة السودانية التي تعد حسب الأمم المتحدة «الأسوأ في العالم»، بل وقال إن الأمير محمد بن سلمان سيكون له دور قوي في إنهاء الحرب، التي لم تكن في مخططات -ترمب- الذي شرح له تاريخ السودان وثقافة شعبه، متابعاً: «بعد 30 دقيقة من حديث ولي العهد بدأت في دراسة الأوضاع، والتحرك في هذا الاتجاه».
إنها بالفعل مآسي حرب ليست هينة، يكفي أن حقيقتها 12 مليون طفل سوداني تحت سن الخامسة يعانون سوء التغذية. وأن عدد القتلى فاق 160 ألفا حتى الآن، وأن أعداد النازحين طلباً للنجاة، أو الذين أجْبِروا على النزوح، تجاوزت 12 مليوناً. فبماذا يوصف سوى أنه اغتيال لإنسانية الإنسان؟!.
فالسودان اليوم يمر بأوقات صعبة، يواجه خطرا كبيرا يهدد وجوده كوطن مستقل. ملأه التفتت والتشرذم، خصوصًا مع وجود قبائل وعرقيات كثيرة مختلفة، حتى بعدما انفصل الجنوب، لا زال يُعاني من آثار التقسيم، واليوم الوضع يتكرر، في ألم إنساني، لا يقل عن وجع الغزاويين منذ طوفان الأقصى 2023، فأعداد النازحين من دارفور وكردفان وحول الفاشر أعداد تبعث على القلق الشديد: (آلاف عائلات هجّرت، آلاف أطفالٍ بلا مأوى، نساءٌ وأطفالٌ ضاعت بهم الأرض» كل ذلك وسط صمت عالمي شبه مطبق، لم ينساه ولي العهد في زيارته لأميركا، ووصفها البرهان بأن مبادرة ولي العهد السعودي تجاه السودان بـ»طريق السلام»، الذي امتلأ بأرقام جديدة من الدماء، فليست فقط أرقاماً إنها وجوهٌ بشرية، قصص أُجهضت، وآمالٌ ذهبت أدراج الريح. الشعور العربي «وبالأخص السعودي» تجاه كل هذا الألم يزداد، لأن السودان كان دومًا أخاً وشقيقاً، وكان الطمع على أرضه طعناً في ضمير الأمة العربية.
إنه فخ الذهب، ما بين منقذٌ أو لعنة!، فمن يغار على السودان اليوم ليس من يطالب بحقه في ثرواته، بل من يطالب بأن تُستثمر الثروات في بناء الإنسان حيثُ مواءمة التنمية مع العدالة، لكن أن تتحول المناجم إلى سيوف موجهة بل مرفوعة على رقاب الأبرياء من المدنيين، فهذه خسارة مضاعفة للسودان والعرب، ويكفينا ألم غزة. وهُنا، يُصبح السؤال الحرِج: هل المطلوب هو إعادة توزيع الثروة؟ أم إعادة بناء الإنسان أولاً؟، لأن أي نهج تنموي حقيقي لا يكون بالإرهاب والاستغلال، بل بالعدالة، الشفافية، والكرامة الإنسانية.. ولبقاء السودان موحداً فهو في حاجة ماسة لإيقاف الحرب الضروس، قبل تفتيته وتفككه إلى دويلات صغيرة، ولهذا يبقى منبر (الرياض) فرصة الحل الحقيقية القابلة لإنتاج حل واقعي للأزمة السودانية.
وأخيراً: «إذا ضاقت الأرض بنا، فلتضيق ثرواتها، لكن لا تضيق قلوبنا»، فالمطلوب خطوات جادة لمحاسبة «قوات الدعم السريع» على انتهاكاتها، وتصنيف ما تقوم به ضمن جرائم الحرب والإرهاب والإبادة وضد الإنسانية، بدلاً من مكافأتها على ما ارتكبته في الفاشر بهدنة إنسانية.