إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
لطالما كانت المزادات الفنية هي المرآة الحقيقية والترمومتر الدقيق لقياس نبض وتطور السوق الفني في أي دولة تسعى لصياغة هوية إبداعية ومكانة اقتصادية في عالم الجمال. إن الدور الذي تلعبه المزادات يتجاوز مجرد عملية «البيع والمزايدة»؛ فهي تمثل السوق الثانوي الذي يمنح العمل الفني شهادة ميلاد استثمارية جديدة، ويضفي عليه قيمة إضافية تزداد مع مرور الزمن.
في السياق العالمي، تُعتبر دور المزادات الكبرى مثل «كريستيز» و»سوذبيز» هي الصانع الحقيقي لقيمة الفنان التاريخية؛ إذ توفر هذه المنصات فرصة عرض احترافية أمام نخب المقتنين، المؤسسات المتحفية، والمستثمرين الدوليين. إن العمل الفني الذي يمر عبر بوابة المزاد يخرج بقيمة موثقة وشفافة، مما يعزز الثقة في الاستثمار الفني ويفتح للأعمال المحلية أبواب العالمية على مصراعيها. ومن هنا، لا يُعد المزاد مجرد فعالية تجارية، بل هو فعل ثقافي يرسخ قيمة الفن التشكيلي كأصل استثماري لا يقل أهمية عن الأصول التقليدية.
في قلب العاصمة الرياض، وفي يوم السابع من فبراير 2026، احتفى الوسط الفني السعودي بحدث استثنائي هو مزاد «إرث الجنوب». هذا الحدث لم يكن عادياً، بل كان تجسيداً لقوة الفن السعودي وقدرته على جذب الأنظار. فقد سجل المزاد أرقاماً قياسية، حيث تجاوز إجمالي المبيعات مليوناً وسبعمائة ألف ريال سعودي، بنسبة بيع مذهلة وصلت إلى 93.8 % من إجمالي الأعمال المعروضة.
هذه الأرقام تعكس إقبالاً منقطع النظير من المقتنين الذين لم يروا في هذه الأعمال مجرد لوحات، بل استثمارات في الذاكرة والهوية. لقد تبارى الحضور على اقتناء قطع فنية جسدت بعمق التراث العريق والروح الملهمة للمنطقة الجنوبية في المملكة العربية السعودية، محولين ليلة المزاد إلى مظاهرة حب وتقدير للفن الوطني.
برزت أعمال الفنان السعودي الرائد عبدالله الشلتي كنجم ساطع في هذه الليلة. فقد كانت لوحته الأيقونية «مكة المكرمة» هي الحدث الأبرز، حيث اقتربت قيمتها من نصف مليون ريال سعودي. هذا الرقم ليس مجرد ثمن للوحة، بل هو انعكاس لتقدير المقتنين العميق لمدرسة الشلتي الفنية التي تمزج بين الانطباعية والروح المحلية السعودية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تلتها لوحته «المدينة المنورة» التي حققت هي الأخرى مبيعات مميزة، مما أكد أن أعمال الشلتي باتت اليوم تمثل ركيزة أساسية في أي مجموعة فنية رفيعة المستوى. هذه النتائج رسخت مكانته كأحد أعمدة الفن التشكيلي المعاصر، وأثبتت أن الفن السعودي بات يمتلك الجاذبية الكافية لفرض أرقام اقتصادية وازنة في السوق المحلي والعالمي.
إن النجاح الباهر لمزاد «إرث الجنوب» لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاج شراكة إستراتيجية عميقة بين «شغف للمزادات» و»AV جاليري»، هذا التعاون يمثل نموذجاً للعمل المؤسسي المتكامل؛ حيث جمع بين خبرة «شغف» في تنظيم المزادات الفاخرة وإدارة الأصول، وبين الرؤية الفنية لـ «AV جاليري» في انتقاء وتقديم الفن المعاصر.
في تصريح يعكس عمق الرؤية المستقبلية قال عبدالله الأحمري رئيس مجلس إدارة شركة رؤية الفن (AV Gallery):
«إن نجاح هذا المزاد هو احتفاء حقيقي بالفنانين السعوديين الذين هم عماد هذا السوق الواعد. إن أهمية المزادات لا تقتصر على البيع والشراء، بل هي منصة حيوية تضع الفنانين وأعمالهم تحت الضوء، وتسهم في بناء مسيرتهم المهنية. إن الكشف عن نتائج المزاد بشفافية هو جزء من الآثار الإيجابية التي تحقق أهداف السوق وفق المواصفات العالمية، وتتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 في بناء اقتصاد ثقافي مزدهر. الفن اليوم هو ركيزة من ركائز الاستثمارات المهمة، وما زالت أسعار الأعمال الفنية في السوق السعودي، مقارنة بالأسعار العالمية، تمثل فرصة استثمارية استثنائية. نتوقع في الأعوام القادمة، وهي ليست ببعيدة، أن تتضاعف هذه الأسعار وتنافس بقوة على الساحة العالمية».
أما د. محمد الحماد رئيس مجلس إدارة شركة شغف للمزادات فقد ركز على البعد الهوياتي قائلاً: «فخورون جداً بالنجاح الذي حققه مزاد «إرث الجنوب»، الذي لا يمثل مجرد حدث تجاري، بل هو احتفاء حقيقي بهويتنا الثقافية الغنية. الأرقام التي تحققت اليوم تؤكد على النظرة الثاقبة للمقتنين السعوديين والقوة المتنامية لسوق الفن المحلي، في «شغف» نؤمن بأن الفن هو ذاكرة الأمة ومرآة حضارتها وهذا النجاح يعزّز التزامنا بالحفاظ على هذا الإرث ونقله للأجيال القادمة».
وأكد د. سعيد الأحمري المدير التنفيذي لشركة رؤية الفن للفنون على تكامل الجهود قائلاً: «إن هذا النجاح هو ثمرة رؤية مشتركة وتكامل إستراتيجي بين «آي في جاليري» و»شغف للمزادات»، حيث أثبتنا أن توحيد الخبرات يخلق قيمة استثنائية للسوق والفنان والمقتني على حد سواء. نحن لا نهدف فقط إلى تنظيم مزادات ومعارض ناجحة، بل إلى بناء منظومة فنية متكاملة تضع الفنان السعودي في الطليعة، وتسهم بفعالية في بناء مسيرته المهنية، وتوفر منصة شفافة تعزز الثقة وتجذب الاستثمارات النوعية. إن ما نشهده اليوم هو بداية لحقبة جديدة سينافس فيها الفن السعودي بقوة على الساحة العالمية، وهذا التعاون هو حجر الزاوية في تلك المسيرة».
واستعرض د. فارس المسعري المدير التنفيذي لشركة شغف للمزادات الجانب المهني والاحترافي للشركة بقوله: «إن الإقبال الكبير والنتائج المالية القوية لمزاد «إرث الجنوب» تؤكد على صواب رؤيتنا في «شغف» الهادفة إلى تغيير نمط المزادات التقليدي وتقديم تجربة فارهة واحترافية. نحن لا نبيع مقتنيات ثمينة فحسب، بل نبني جسوراً من الثقة والشفافية بين البائعين والمشترين. هذا النجاح هو تتويج لجهود فريقنا وخبراتنا في تقييم وتسويق وبيع الأصول بأفضل قيمة ممكنة، ويضاف إلى سجل إنجازاتنا الذي تجاوزت فيه قيمة الأصول المقيمة والمبيعة منذ انطلاقتنا عام 2021 حاجز الـ 600 مليون ريال سعودي».
تكمن الأهمية الجوهرية لمزاد «إرث الجنوب» في كونه حدثاً وطنياً بامتياز وبمعايير عالمية. لسنوات طويلة كانت بعض الأعمال السعودية الرائدة تباع في مزادات لندن، باريس، ودبي، وكان هذا بحد ذاته فخراً للفن السعودي. ولكن أن يشهد قلب الرياض مزاداً بهذا الحجم وبهذه الشفافية وبأرقام مبيعات تتجاوز 1.7 مليون ريال، فهذا يشير إلى نقطة تحول محورية.
نحن اليوم ننتقل من مرحلة «المشاركة» في السوق العالمي إلى مرحلة صناعة السوق في الداخل. إن إقامة مثل هذه المزادات داخل المملكة تعني استبقاء القيمة الاقتصادية للفن داخل الوطن، وتشجيع جيل جديد من المستثمرين السعوديين على دخول هذا القطاع، المزاد التشكيلي المحلي هو الضمانة الأكيدة لاستدامة الإبداع فهو الذي يحدد القيمة العادلة للفنان، وهو الذي يمنح المقتني الطمأنينة بأن ما يشتريه اليوم هو أصل سيزداد قيمة مع مرور الوقت.
يمثل مزاد «إرث الجنوب» بداية حقبة جديدة كلياً في مسيرة الفن التشكيلي السعودي. إن نجاح لوحة عبدالله الشلتي في الاقتراب من نصف المليون ريال هو رسالة واضحة للعالم بأن الفن السعودي لم يعد مجرد هواية أو نتاج ثقافي محلي، بل هو «عملة» ثقافية واقتصادية صعبة.
إن التوسع في هذه المزادات، ودعم الشراكات بين دور العرض المتخصصة ودور المزادات المحترفة سيسهم بشكل مباشر في تحقيق مستهدفات رؤية 2030 المتعلقة بتطوير القطاع الثقافي وتنويع مصادر الدخل. الفن التشكيلي السعودي بما يحمله من عمق تاريخي وجرأة معاصرة هو اليوم «الخيل الرابح» في سباق القوة الناعمة الدولية ومع توالي هذه النجاحات ستتحول الرياض بلا شك إلى قطب عالمي للمزادات الفنية، حيث تلتقي الأصالة مع الاستثمار ويتحوّل «إرث الجنوب» وغيره من كنوز المملكة إلى لغة يفهمها ويقدرها العالم أجمع.
إننا أمام مستقبل سيقف فيه المقتني العالمي طويلاً أمام لوحات الفنانين السعوديين ليس فقط لجمالها، بل لأنها خرجت من سوق سعودي قوي شفاف ومنافس بدأ أولى خطواته الواثقة من هنا.. من قلب الرياض.
** **
تويتر: AL_KHAFAJII