د.عارف أبوحاتم
منذ زمن بعيد؛ قلت ليتني أجد فرصة كافية للكتابة عن العشق الشفيف بين الأمير تركي بن طلال ومنطقة عسير.. ثمة عشق متبادل بين رجل ومدينة، بل بين أمير وإمارة.
كلما زرت عسير أجدها أَجَدَّ مما تركتها عليه، بهية كالضحى، رائعة كضحكة طفل، حانية كظل الظهيرة، متجددة كالربيع، فيها تعيد الروح ترتيب ذاتها، ويستعيد الجسد حيويته، وكأنها أسطوانة أوكسجين لإنقاذ الناس من أوجاع الحياة ومتاعبها.
للأمير تركي حضور استثنائي في تلك المساحة الخضراء، وبصمة في كل شارع، ومدرسة وحديقة وإضاءة ومشفى وجامعة.. رجل يرسم الخطوط العريضة ويحضر في التفاصيل الدقيقة. تذهب باكراً إلى مدرسة باردة في أقصى غرب عسير فتجده واقفاً في الطابور المدرسي يسأل المدرس عن احتياجاته والطالب عن طموحه، يدخل الفصل المدرسي فيلفت انتباهه تفوق طالب يمني، فيداعبه ويشجعه كأبٍ فخور بأبنائه.
يتجول في المشافي في أوقات مباغتة، يسأل المريض عن ألمه بقلب ودود، ويسأل المختص عن دوره بحزم المسئول الصارم، ثم يوفق بين الواقع والإمكانيات ويدفع بالعجلة باتجاه المستقبل الأجمل.
في الجامعات يحجز مقعده بين الطلاب مستمعاً، وبين المسئولين محاضراً وموجهاً وراسماً لخارطة المستقبل الذي تنتظره عسير، وله محاضرات عديدة وعميقة تحدث فيها طموحه، وما يجب أن يكون عليه مسئوليه والعاملين، فالرجل له فلسفته في الإدارة، تبدأ من شخصية العسكرية الصارمة إلى فطرته المتطلعة إلى مكتسباته العائلية الموروثة، فهو حفيد الملك المؤسس -رحمه الله- الرجل الذي لا يقنع بما دون النجوم!.
يجتمع بمثقفين وأكاديميين عرب وأجانب ويخوضون في قضايا فكرية وتاريخية كبيرة، فتجد الأمير تركي يعقب ويثري النقاش بالأسئلة العميقة والوازنة.
وسبق الأمير تركي زمانه وحقق مستهدف ميزانية إمارة عسير في جلب 6 مليار ريال من القطاع الخاص قبل أوانه بخمس سنوات، اشتغل مع فريق مؤهل في هيئة تطوير عسير، ولديهم طموح بالوصول إلى 11 مليار مع حلول 2030، وفي ظرف 4 شهور فقط حل إشكالية 78 مشروعا استثماريا متعثرا.
والسياحة من وجهة نظر الأمير تركي بن طلال يجب أن ترتبط بالعلم، فهو يطمح إلى سياحة تعمل على حضور السياح في منطقة السودة وبللسمر وغيرها ضمن توازن دقيق.
والأمير تركي لا يريد البقاء في عسير الجبلية، فقد امتد نظره إلى شريطها الساحلي البالغ 130 كيلومتر، وحين تزاحم المستثمرون أمام مكتبه للاستثمار في سواحل عسير؛ فنادق ومنتجعات وشاليهات ومطاعم وخدمات لوجستية، لم يندفع هو نحو القبول، بل قال انتظروا نخططها أولاً، ونحدد ما الذي نريده، وما الذي نستهدفه، بما لا يخل بقيم المنطقة وتراثها وتاريخها ضمن رؤية 2030 .
في الأوقات الرسمية تجد الأمير تركي إداريا حازما وشديد الصرامة، وفي وقته الخاص واحدا من الناس: يحضر أعراسهم وعزاءهم ويزور مرضاهم، يتنقل بين أطراف إمارته سائلاً عن كل أحد. يجمع شباب عسير ويستمع إليهم، يستكشف مواهبهم، يحثهم على العطاء، يقول لهم: أنتم رجال دولة المستقبل، أريد أن أرى المستقبل بعيونكم، أنتم بذرة الأمس وزهرة اليوم وثمرة الغد، قفوا كالنخيل، وتجاسروا كجبال عسير، كونوا كالضوء، خطوطٌا لا تنكسر، وإذا انكسرت ظلت مستقيمة لا تتبعثر ولا تتعثر.
تشتكي إليه شابة أن أحدهم رفض توظيفها لأن في صوتها تأتأة، فيخطف الميكرفون سريعاً ويعلن توظيفها سكرتيرة في مكتبه الخاص.. أنه فن جبر الخواطر الذي قال عنه ابن القيم الجوزية: أجلُّ العبادات عند الله جبر الخواطر.
يصعد إلى أعالي جبل في منطقة نائية يتفقد أهلها فيجد امرأة عجوز بلا عائل، فيقول لها شيخ المنطقة الذي تكفل برعايتها، هذا الأمير تركي نزل إلى عندك، فيقاطعه الأمير، لم ننزل بل ارتقينا إليها!.. يا له من بِرٍ صادق، وتواضع جم، ورحمة ولين، فالراحمون يرحمهم الرحمن، ثم يطلب منها الأمير أن تأتي معه، ويقول لها سنخصص لك غرفة في قصر أمير المنطقة!.
في الأسابيع الماضية ظهر الأمير في مقطع فيديو وهو يغلظ صوته تجاه مسئول قصر في مهامه، وأهمل معاملة مواطن، فكان توجيه الأمير بتوقيف ترقية المسئول حتى يستكمل معاملة المواطن.
تعصف أزمة كورونا بدول كاملة، وبقيت المملكة رائدة لكل عمل إنساني، وأنا هنا شاهد عيان في أشياء كثيرة، شاهدت عشرات اليمنيين المصابين يتلقون العلاج في أرقى المستشفيات، العامة والخاصة، تكاليفهم بلغت أرقام خيالية دفعتها الحكومة السعودية بالكامل، ومثلهم أبناء جميع الجنسيات، وفي عسير كان أميرها الكريم مبادراً في العلاج وفي توفير آلاف السلال الغذائية لمن تضررت وظائفهم وحاصرتهم الحاجة.. أعطى مؤن غذائية لكثيرين بينهم قرابة ألف يمني ومن ماله الخاص كما أبلغني الوسيط بينهما.
وعلى تلك الطريقة الكريمة الراقية استقبل الأمير تركي بن طلال رؤساء الوفود الرياضية المشاركة في بطولة كأس العرب لكرة القدم تحت 20 سنة، وفي كلمته اللطيفة، أثنى على كل دولة بذكر أجمل ما فيها من حضارة وإرث وقيم تعتز بها، وحين وصل إلى اليمن قال: اليمن وما أدراك ما اليمن، أرض حمير وقتبان وأوسان وسبأ وظفار، و... ولم ينسَ أن يُذكّرَ بشاعرنا الكبير الراحل عبدالله البردوني.
تحية إجلال لهذا الأمير الكبير الكريم.. لرجل ينتمي إلى زمن الكبار.. وطينة الكبار!.