باسم سلامة القليطي
للعبادة مواسم، وللقلوب محطات، وللأرواح أزمنة تتجدد فيها الحياة، وكلما اقترب موسم من هذه المواسم العظيمة، دبَّ في النفوس شعور مختلف، يختلط فيه الشوق بالفرح، والرجاء بالتهيؤ، وتنبعث فيه رغبة صادقة في الاقتراب من الله تعالى.
ليس الفرح هنا مجرد إحساس عابر، بل هو حالة إيمانية عميقة، تنبع من إدراك قيمة الزمان، وعِظم العطايا المخبأة فيه. وحين يهلّ شهر رمضان المبارك، يتبدّل إيقاع الحياة في قلوب المؤمنين، فتتهيأ الأرواح قبل الأجساد، وتستعد النفوس قبل الجوارح، وكأن القلوب تعرف أن ضيفا كريما قد أقبل، يحمل معه رحمات لا تُحصى، ونفحات لا تُقاس.
هذا الفرح ليس وليد العادة، ولا ثمرة التقاليد، بل هو فرح تعبدي خالص، مصدره الإيمان الصادق بما أعده الله تعالى في هذا الشهر من فضل وأجر.
فرح بطاعة الله، وفرح بالاقتراب منه سبحانه، وفرح بالوقوف على أبواب رحمته المفتوحة، وأبواب جنته المشرعة. هو فرح تهيئة وتهنئة، تهيئة القلب للعمل، وتهنئة النفس ببلوغ الموسم. تتردد فيه النصوص المرغِّبة في الخير، والمُبَغِّضة في الشر، وتتعانق فيه البشارات النبوية التي تُحيي العزائم، وتوقظ الهمم، وتدفع المسلم إلى الجد والاجتهاد، طلبا لرضا الله، ورجاءً في مغفرته.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما حضر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم».
حديث تختصر كلماته فلسفة الفرح برمضان، فكيف لا يفرح قلبٌ يُبشَّر بانفتاح أبواب الجنة، وإغلاق أبواب النار، وتصفيد الشياطين، وليلة تفوق في قدرها عمرا كاملا من الطاعة؟ إن إدراك هذه المعاني وحده كفيل بأن يحوّل رمضان من مجرد شهر في التقويم، إلى موسم استثنائي في حياة المسلم، تُقاس فيه الأعمار، وتُوزن فيه الأعمال، وتُعاد فيه صياغة العلاقة مع الله تعالى.
ويزداد هذا الفرح عمقا حين نستحضر النداء السماوي الذي يتكرر في كل ليلة من ليالي هذا الشهر العظيم: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة». نداء لا تسمعه الآذان، ولكن تتلقاه القلوب المؤمنة بخشوع ويقين. نداء يخاطب دواخل الإنسان، فيوقظ فيه نوازع الخير، ويذكّره بأن الطريق إلى الله مفتوح، وأن الفرصة لا تزال قائمة، وأن باب الرجوع لم يُغلق بعد. ومع تكرار هذا النداء كل ليلة، تتجدد العزيمة، وتشتد الرغبة في المسارعة إلى الطاعات، ومجاهدة النفس، وكبح جماح الهوى، حتى يصبح رمضان مدرسة تربوية متكاملة، تُهذّب النفس، وتُصلح القلب، وتعيد ترتيب الأولويات.
ولعل أجمل ما في الفرح برمضان أنه يوقظ فينا شعور الافتقار الكامل إلى الله عز وجل. نشعر ونحن نُقبل عليه أننا نحمل أثقالا كثيرة، وأحلاما منكسرة، وذنوبا مؤجلة التوبة، فنقف بين يديه وقفة الضعيف، الذي لا يملك إلا الرجاء. نأتي إليه بقلوب أنهكها الركض خلف الدنيا، وأرواح أتعبها الصراع، فنطلب في رمضان راحة القلب ومغفرة الذنب، وسكينة الروح وتفريج الكرب.
نريده شهر إنقاذ، شهر عبادة، شهر إعادة الحياة للقلب والروح.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: «لا أعلم شيئا معينا لاستقبال رمضان سوى أن يستقبله المسلم بالفرح والسرور والاغتباط وشكر الله أن بلغه رمضان، ووفقه فجعله من الأحياء الذين يتنافسون في صالح العمل». كلمات تختصر منهج السلف في التعامل مع هذا الشهر؛ فرح صادق، وشكر عميق، واستعداد عملي، بتوبة نصوح، وعزيمة جادة، ونية خالصة.
ليس المقصود مظاهر شكلية، ولا استعدادات استهلاكية، بل تهيئة روحية حقيقية، تبدأ بتطهير القلب من الأحقاد، وتنقية النفس من الشوائب، وتجديد العهد مع الله تعالى.
إن الفرح برمضان ليس طقوسا مؤقتة، ولا مظاهر موسمية، بل هو وعيٌ بقيمة الزمن، وإدراك لعظمة المنحة، واستحضار دائم لمعنى العبودية.
هو فرح يحمل في طياته مسؤولية، ويستبطن مشروع إصلاح شامل، يبدأ من القلب، ويمتد إلى السلوك، وينعكس على الحياة كلها. فإذا دخل علينا رمضان ونحن نحمله بهذا الوعي، خرجنا منه وقد تغير فينا شيء، وتزكّت في أرواحنا معانٍ، وتجدّد في قلوبنا نور، وبذلك نكون قد أدركنا حقيقة الفرح برمضان، لا صورته فقط.