نورة حمد الشبل
حين نتحدث عن العمل الاجتماعي في المملكة العربية السعودية، لا يمكن أن نتجاوز اسمًا راسخًا في ذاكرة الخير والعطاء: جائزة الأميرة صيتة بنت عبدالعزيز للتميز في العمل الاجتماعي. ليست مجرد جائزة تكريمية، بل مشروع وطني أخلاقي يعيد تعريف معنى المسؤولية الاجتماعية، ويحول المبادرات الفردية والجماعية إلى نماذج ملهمة قابلة للتكرار والاستدامة.
منذ انطلاقتها، حملت الجائزة هدفًا واضحًا: تعزيز ثقافة العمل الاجتماعي المؤسسي، وتحفيز التميز، وإبراز النماذج الرائدة التي تخدم المجتمع بوعي واستدامة.
لم تأتِ الجائزة لتكافئ العطاء فحسب، بل لتبني معايير علمية دقيقة للتقييم، تعتمد على زيارات ميدانية، ولجان متخصصة، ومؤشرات قياس للأثر الاجتماعي. فهي لا تبحث عن المبادرات الأكثر شهرة، بل الأكثر تأثيرًا وعمقًا واستمرارية.
على امتداد دوراتها، تحولت الجائزة إلى منصة وطنية تُنير الطريق أمام الجمعيات الخيرية، والمؤسسات غير الربحية، والمبادرات الفردية، وحتى الشركات التي تتبنى برامج مسؤولية اجتماعية حقيقية. وقد أسهمت في رفع مستوى الاحترافية في القطاع غير الربحي، ودفعه نحو التخطيط الإستراتيجي، والشفافية، والحوكمة، وقياس الأثر بدل الاكتفاء بالنوايا الحسنة.
في دورتها الأخيرة لعام 2025م، شهدنا تتويج عشرة فائزين يمثلون طيفًا واسعًا من العطاء الوطني؛ من مؤسسات وقفية رائدة، إلى برامج اجتماعية مبتكرة، ومبادرات بيئية مستدامة، وجهود تطوعية نوعية. هؤلاء الفائزون لم يُكرَّموا لأنهم قدموا المساعدة فقط، بل لأنهم صنعوا فرقًا حقيقيًا في حياة الناس.
ما يميز الجائزة أنها لا تكتفي بتكريم الفائزين، بل تخلق حالة مجتمعية من التنافس الإيجابي؛ إذ تصبح قصص النجاح حافزًا لغيرهم، وتتحول التجارب إلى دروس قابلة للنقل والتطبيق في مناطق أخرى من المملكة.
الأثر الاجتماعي للجائزة يتجاوز لحظة الاحتفال. فهي تعزز قيم التكافل، وتدعم التحول من العمل الخيري التقليدي إلى العمل التنموي المستدام. كما أنها تشجع الشباب والشابات على الانخراط في العمل التطوعي، وتمنحهم نماذج يحتذى بها بدل الاكتفاء بالشعارات.
لقد أسهمت الجائزة أيضًا في ترسيخ مفهوم الوقف الإسلامي التنموي بوصفه رافدًا أساسيًا لبناء المجتمع، كما أبرزت دور المسؤولية الاجتماعية للشركات في تحقيق التنمية الشاملة، بما ينسجم مع رؤية السعودية 2030.
ختامًا، يمكن القول إن جائزة الأميرة صيتة ليست حدثًا سنويًا عابرًا، بل حركة ثقافية أخلاقية تُعيد صياغة مفهوم العطاء في وطننا. إنها تذكير بأن الخير ليس مجرد فعل، بل هو منظومة قيم، ومسار تنمية، ورسالة إنسانية.