د. محمد عبدالله الخازم
نشر الكاتب ديفيد بروكس مقالًا مطولًا -قرابة ثلاثة آلاف كلمة- ودّع فيه قرّاءه في صحيفة نيويورك تايمز بعد اثنين وعشرين عامًا من الكتابة فيها. استعرض خلاله مسيرته الكتابية، وفلسفته الفكرية، ومبررات قراره. وبقدر ما عبّر عن قلقه إزاء تدهور الثقافة الأمريكية، بقدر ما تساءل عن المعنى، في الثقافة نفسها، وفي القناعات الإيمانية، وفي الحوارات الفكرية الكبرى.
لقد خلص بروكس إلى أن الكتابة الصحفية لم تعد مجدية في مواجهة «الطوفان»، فاختار الجامعة بديلًا، وربما ملاذًا لقراءته الفكرية الثقافية القادمة، ولن نستفيض في مبررات ذلك. وبالنظر إلى مكانة الكاتب والصحيفة، فقد وجد المقال صدى واسعاً بما حوى من رؤى وتساؤلات.
نقف هنا عند بعضها، دون اصطفاف مع تحيزاته السياسية والأيدلوجية.
تبدأ الأسئلة الكبرى: «في الواقع، لطالما اعتقدتُ أن ثمة خللًا غريبًا في الثقافة الأمريكية، «إخفاق السوق» كما يُصطلح. حيث تجد الكثير من برامج السياسة والأعمال والتكنولوجيا، في حين لا تجد ما يكفي من البرامج التي تطرح، من خلال تعليمٍ العلوم الإنسانية العظيمة، أسئلة جوهرية عن الحياة من قبيل: كيف يصبح المرء إنسانًا أفضل؟ وكيف يجد معنى في التقاعد؟ وهل لا تزال أمريكا تمتلك سردية وطنية جامعة؟ وكيف تتعافى الأمم العظيمة من الطغيان؟».
الثقافة كما يصفها، «كل ما يشكّل الجوانب الذاتية في الإنسان: التصورات، والقيم، والعواطف، والآراء، والحب، والسحر، والأهداف، والرغبات. أعني كل ما يصوغ روح العصر، واللحظة الأخلاقية والفكرية، وهو ما يشكّل الماء المشترك الذي نسبح فيه. ووفق هذا التعريف، لكل فرد في المجتمع دور في تشكيل الثقافة. نحن جميعًا نخلق حول أنفسنا بيئة أخلاقية، إما أن ترفع من شأن من نلامسهم أو تحطّ منهم.»
ويعبر عن تشاؤمه «حين أفكر كم تغيّر العالم منذ انضمامي إلى «التايمز»، أجد أن الاتجاه الأبرز كان فقدان الأمريكيين الجماعي للإيمان - ليس الإيمان الديني فحسب، بل أشكالًا كثيرة أخرى.. لقد كان عالم ما بعد الحرب الباردة مخيبًا للآمال. حطّمت حرب العراق ثقة أمريكا في قوتها. وحطّمت الأزمة المالية ثقة الأمريكيين بأن الرأسمالية إذا تُركت وشأنها ستنتج رخاءً واسعًا ومستقرًا. ولم يُدخلنا الإنترنت في عصرٍ من التواصل العميق، بل أدخلنا في عصر من الاكتئاب المتزايد والعداء والوحدة. وأظهر التراجع الحاد في مستويات الثقة المجتمعية فقدانًا كاملًا للإيمان بأقرب الناس إلينا»
بل يؤكد ذلك، «لقد أصبحنا بلدًا أكثر حزنًا، وأشد قسوة، وأكثر تشاؤمًا.. تقول أغلبية كبيرة أن بلدنا - أمريكا- في انحدار، وأن الخبراء لا يستحقون الثقة، وأن النخب لا تكترث بالعامة. ولا يعتقد سوى 13 في المئة من الشباب أن أمريكا تسير في الاتجاه الصحيح. فيما يعلن 69 في المئة من الأمريكيين بأنهم لا يؤمنون بالحلم الأمريكي.. ونتيجة للتقدم التكنولوجي والانحدار الإنساني، أصبحت الحياة أفضل موضوعيًا لكنها أسوأ ذاتيًا. لقد وسّعنا الحرية الشخصية، لكننا فشلنا فشلًا ذريعًا في مساعدة الناس على الإجابة عن سؤال: ما الغاية من تلك الحرية؟»
الخلاصة، يرى بروكس بأن التغيير الثقافي يسبق التغيير السياسي والاجتماعي ويدعو للتحول في التفكير قبل تحول الاتجاه..
* * *
شكراً للأستاذة رانيا منير على ترجمة كامل المقال، وهنا رابط المقال الأصل:
David Brooks: Time to Say Goodbye, The New York Times, January 30, 2026.