د.شريف بن محمد الأتربي
انتهى الفصل الدراسي الأول من العام الدراسي 2025-2026، وفرح من فرح، وحزن من حزن على عدد الدرجات التي حصل عليها كل منهم، فالحاصلون على الدرجات العليا يتباهون بها، ويعتبرونها قمة الإنجاز والفخر بغض النظر عما تمثله لهم هذه الدرجات من مكتسبات مهارية ومعرفية.
على الجانب الآخر، نجد أن أصحاب الدرجات المتدنية وحتى المتوسطة يضعون أسبابا عدة لتعثرهم غير إخفاقهم أنفسهم في التحصيل الدراسي، فهم يضعونها على عاتق المعلم، والمنهج، والمدرسة، والاختبار، بل ويصل الأمر لتحميل سوء النتائج على عاتق أولياء الأمور والمجتمع أيضا.
لم تكن الدرجة في يوم من الأيام تمثيلا للتحصيل الدراسي، بل هي دائما وأبدا تمثيلا للحفظ الدراسي، فهي ترتب الطلبة على حسب قدرتهم على الحفظ قبل الفهم والاستيعاب واكتساب المهارات، حتى اختبارات القياس التي توسمنا فيها خيرا بقدرتها على فرز الطلبة مهارياً ومعرفياً، لم تكن سوى امتداد لأساليب الاختبارات الفاشلة التي تعتمد الحفظ معيارا لاجتيازها، حتى ولو سلمنا فرضا أن هناك تنوعا في الأسئلة، وكذلك توجه الوزارة نحو الاختبارات المركزية؛ تظل كلمة اختبار الدرجات هي الفاصل بين تصنيفات الطلبة المتعددة والمختلفة تربويا ونفسيا وعقليا.
لقد قام كثير من الوفود في وزارة التعليم بزيارات متعددة لكثير من الدول التي تتميز بمستوى عال من التعليم في كافة أنحاء الكرة الأرضية، ومن ضمن هذه الدول دولة «فنلندا» التي يعتبرونها نموذجا من أنجح النماذج تعليميا، بل أن الوزارة وقعت معهم اتفاقية لتدريب المعلمين على أساليب واستراتيجيات تعليمية متميزة. والمتفحص في التجربة الفنلندية لن يجد للدرجة وزنا، ولا قيمة، فالقيمة الفعلية لمخرجات التعليم يتم قياسها من التركيز على التعلم بدلاً من الدرجات، حيث يحل التعلم النشط والمرونة في المناهج، محل التعلم التلقيني وملخصات آخر العام والحذف من المقرر، مما يسمح للطلبة بفهم الموضوعات بعمق ومن ثم تطبيقها في السياقات المختلفة.
أما في «ألمانيا» فالنموذج الألماني (Dual Education System) يتميز بدمج التعليم الأكاديمي مع التدريب المهني، حيث يتلقى الطلاب تعليمهم في المدارس بينما يعملون في شركات، مما يساعدهم على تطبيق المعرفة في سياق عملي ويعزز من فرص التحصيل المهني.
وفي بعض الدول العربية مثل قطر والأردن أيضا لديهم أنظمة مشجعة على التفكير والابتكار بديلا عن الحفظ والتكرار، فالمدارس في «قطر» هي نموذج يسمى «المدرسة الابتكارية»، حيث تقوم هذه المدارس بتطبيق مناهج تعليمية مرنة تشجع الطلاب على ابتكار الحلول وتفكيرهم النقدي من خلال مشاريع تطبيقية، بعيدا عن الحفظ فقط، مما يؤدي إلى تحسين مهاراتهم الأكاديمية والمهنية.
أما النموذج المعتمد في «الأردن» فهو نموذج «التعليم التبادلي»، حيث يجمع هذا النموذج بين التعلم التقليدي وورش العمل والمشاريع المجتمعية، مما يسمح للطلاب بتطبيق المعرفة في سياق مجتمعي يعزز من فهمهم واكتسابهم للمهارات الحقيقية.
ولماذا ننظر بعيداً ولدينا نموذج وطني هو مؤسسة موهبة، حيث تنحى المقررات الحكومية جانبا وتبرز المقررات الخاصة بتنمية مواهب وقدرات الطلبة جلية من خلال التطبيق العملي والمشاركة في المسابقات المحلية والعالمية والتي يحصل من خلالها الطلبة على العديد من الجوائز التي يتم نسبها للوزارة التي تقوم بتكريم هؤلاء الطلبة دون النظر حتى لكيفية حصولهم على هذه الجوائز.
معالي الوزير، إن 2030 صارت قريبة، فلننظر للتعليم ومخرجاته قبل فوات الأوان.
كلمة أخيرة، بما أن الاختبارات صارت مركزية نريد الاطلاع على تحليل نتائج هذه الاختبارات والتوضيح للمجتمع التعليمي نقاط القوة والضعف لدى الطلبة، وأيضا تحليل لأسئلة هذه الاختبارات ونوعية الأسئلة التي وردت فيها لنشارككم الحمل كجزء من مسؤوليتنا الوطنية.