محمد الفايز
في زمنٍ تتكاثر فيه الشعارات وتقلّ فيه المواقف، لم يبقَ من الإنسانية إلا اسمها.
كلمةٌ جميلة تُرفع على المنصات، بينما تُدار خلفها صفقات الدم، وتُفتح عبرها ممرات السلاح، وتُطيل بها الأزمات أعمارها على حساب الأبرياء. أيّ مفارقةٍ هذه حين تتحول «المساعدات الإنسانية» إلى غطاءٍ للفوضى، وجسر عبورٍ للمليشيات، وأداةٍ لاختراق سيادة الدول؟
أيّ زمنٍ هذا الذي تُختطف فيه القيم، وتُستبدل فيه الرحمة بالأجندة، ويُدار فيه الألم ببرود المصالح؟
لم تعد المشكلة في الحروب وحدها، بل في تزييف المعايير.
حين يصبح الضحية ورقة ضغط، وتُختزل المآسي في بيانات، وتُقاس الإنسانية بموازين النفوذ لا بموازين الضمير. التاريخ علّمنا أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُدار بالسلاح فقط، بل تلك التي تُدار بالشعارات.
فكم من جريمةٍ ارتكبت تحت لافتةٍ براقة، وكم من خيانةٍ مرّت عبر عناوين إنسانية لامعة.
وهنا يظهر الفرق بين من يتاجر بالأزمات، ومن يقف في وجهها.
بين من يصنع الفوضى ثم يقدّم نفسه منقذًا، ومن يمد يده للأشقاء دون ضجيجٍ أو مزايدة.
السعودية لم تكن يومًا دولة شعارات، بل دولة مواقف.
حين تضيق الأزمات تتقدّم، وحين تُستباح الحقوق تقف، وحين يُترك الأبرياء لقدرهم تكون حاضرة بالفعل قبل القول.
نهجٌ ثابت يربط العمل الإنساني بالمسؤولية، ويجعل دعم استقرار الدول ووحدة أراضيها خطًا لا يُساوَم عليه.
العالم اليوم لا يحتاج مزيدًا من الخطب بل يحتاج استعادة معنى الإنسانية الحقيقي.
فالإنسانية ليست لافتة تُرفع عند الحاجة، ولا صورة تُلتقط أمام القوافل، ولا بيانًا يُقرأ في المؤتمرات.
الإنسانية موقف، ومن لا يملك الموقف لا يملك الحق في الحديث باسمها.