د. رانيا القرعاوي
ليست كل المعارض الدولية ناجحة، حتى وإن ازدحمت أروقتها بالأجنحة وامتلأت جداولها بالوفود، وجلساتها بالمشاركين، كثير من الفعاليات التي تعقدها الجهات المختلفة تنتهي بانتهاء أيامها، ويخفت أثرها سريعًا. السؤال اليوم ليس: كم كان عدد المشاركين والزوار؟ بل: لماذا يتحول بعض المعارض إلى منصات إستراتيجية مستدامة؟
معرض الدفاع العالمي قدّم نموذجًا يستحق الدراسة، لا الاحتفاء فقط. الأرقام مهمة، لكنها لا تفسر النجاح وحدها. مشاركة 1,486 جهة عارضة من 89 دولة، وحضور 513 وفدًا رسميًا من 121 دولة، وتوقيع 220 اتفاقية بقيمة 33 مليار ريال، تعكس ثقة دولية بالمملكة كمصدر موثوق في الصناعات العسكرية. لكن القيمة التحليلية تكمن في ما وراء هذه المؤشرات.
تشير تقارير الاتحاد العالمي لصناعة المعارض (UFI) إلى أن المعارض المتخصصة قطاعيًا تحقق معدلات رضا وتحويل أعلى من المعارض العامة، لأن وضوح الفئة المستهدفة يقلِّل «الضجيج غير المنتج» ويرفع جودة اللقاءات. في صناعة المعارض، جودة الزوار أهم من كثافتهم. حين يكون الحضور من صنَّاع القرار الفعليين والخبراء في القطاع، تتحول المعارض إلى نتائج حقيقية لا تبادل بطاقات عمل فقط.
برأيي ومن خلال عملي لأول مرة في هذا المعرض كان العامل الحاسم الأول التخصص الواضح. المعرض لم يكن منصة عامة لاستعراض الابتكارات الجديدة، بل منصة صناعية حقيقية، فالشركات جاءت لتبحث عن فرص تصنيع حقيقية، وتقدم نقلة تقنية لتطوير سلاسل إمداد، وتأهيل كوادر وطنية. هذا الاتساق في التصميم هو ما تسميه أدبيات إدارة الفعاليات الكبرى «Strategic Event Architecture» - أي بناء الحدث وفق غاية قطاعية محددة.
العامل الثاني كان الرؤية الواضحة للجهة المنظمة، فتنظيم الهيئة العامة للصناعات العسكرية، وتكامل 26 جهة حكومية، قلَّل تضارب الرسائل ووحَّد الخطاب المؤسسي. دراسات Mega Event Governance تؤكد أن وضوح الحوكمة المؤسسية يزيد من ثقة الشركاء الدوليين ويقلِّل المخاطر التنظيمية، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم الاتفاقيات ونوعيتها.
العامل الثالث الاستثمار في السواعد الوطنية. ارتفاع عدد الكوادر الوطنية في القطاع إلى 34 ألفًا بنسبة سعودة بلغت 63%، وربط المعرض بالمنظومة التعليمية ومختبرات الابتكار، يعكس فهمًا بأن المعارض ليست عرضًا للحاضر فقط، بل منصة لبناء مواهب المستقبل. تقارير OECD حول الصناعات المتقدمة تشير إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري يرفع إنتاجية القطاعات الصناعية بشكل مستدام، ويعزِّز قدرتها التنافسية عالميًا. معظم المؤتمرات التي تفشل غالبًا تركِّز على عدد الجلسات وورش العمل، بينما المعارض التي تستمر تركز على الوضوح والهوية والمتابعة. النجاح لا يُقاس بعد خمسة أيام، بل بما يتحقق بعد عام.
وما أعلنت عنه الهيئة من ارتفاع نسبة الإنفاق المحلي من 4% في 2028م إلى ما يقارب 25% في 2024، وعزمها الوصول لتوطين ما يزيد عن 50% من الإنفاق المحلي بحلول 2030، يؤكد أن تحديد الهدف من البداية بدقه وتنسيق الرسائل الاتصالية، والتعامل مع الحدث باستدامة لا استعراضاً مؤقتًا ينتج عنه معرض ناجح ليس بالأرقام ولكن بالأثر المحقق.
المعرض الناجح لا يبدأ في يوم الافتتاح، ولا ينتهي في يوم الختام. يبدأ برؤية وطنية، ويُدار بتكامل مؤسسي، ويستمر بمتابعة التنفيذ. وهنا يكمن الفرق بين حدث كبير.. ومعرض يتحول فعلاً إلى منصة وطنية تعكس مكانة المملكة الرائدة في القطاعات المختلفة.