غالية بنت محمد عقاب المطيري
في مجالس النساء تدور الأحاديثُ على غيرِ هُدى، إلا أنها تستقر في نهايتها على شواطئ الحكمة والحقيقة ومن ذلك هذا الحديث الذي ابتدأتْهُ صاحبته بأن قالت:
دائمًا ما أجد تحذيرًا من بنات جنسي حين يختلط زوجي بالنساء بحكم العمل أو ظرفٍ اجتماعي أو فزعةٍ لصديق أو قريب.
ودائمًا ما أردّ عليهن قائلة:
إذا أُشبِع القلب عفّت العين؛
فحتى لو وُضِعت أمامه امرأة لا يختلف اثنان على جمالها، وقد استغنت بما وهبها الله من حسنٍ عن كل زينةٍ تزيّنها، فإنه لا يراها ولن يلتفت لها.
فأنا لم أُشبِع قلبه فحسب، بل امتلكته؛
فلا يرى الحياة إلا بي ومعي.
فأنا بالنسبة له:
حبيبته التي لم يعرف الحب إلا معها، وصديقه الذي يصدقه، وأخوه الذي يشدّ به عضده، وأمه التي تتقبل أخطاءه وتدلـله برفقٍ وهوادة، وابنته التي تُحسن إليه وتبرّه.
فكيف لي أن أشكّ في وفائه؟
أو تُخيفني جموع بنات حواء قاطبة؟
فقد ملكتُ منه القلب والعقل والروح،
بل حتى الهواء الذي يتنفسه... أصبحتُ أنا أوكسجينه.
وقد أثبتت الأيام صدق قولي.
ولهذا كان كثيرٌ منهم يسألني:
وماذا عن غيرته عليكِ؟ ألم يشكّ أنه لا يشبِع قلبك؟
فكنت أجيبهم قائلة:
أنا لا آتي مواضع تغضبه،
ولا أجلس مجلسًا يثير غيرته،
ولا أخرج من بيته إلا بإذنه،
ولا أحدّث أحدًا أو أكتب كتابةً إلا وهو مطّلع عليها، عالمٌ بها.
فإن نهاني انتهيت.
فغيرة الرجل على زوجته دليلُ محبةٍ واهتمام، وهو خُلُقٌ أحبه فيه وأجله.
أما عن امتلاء القلب...
فهو من أجمل الرجال وصفًا،
وأحسنهم رسمًا،
وأصدقهم قولًا،
وأعذبهم جَنانًا،
وألطفهم حديثًا،
وأعظمهم خُلُقًا.
وهو فيضٌ من الحب لا ينضب،
وركنٌ شديدٌ أعتدّ به، وإليه ألجأ.
وبعد هذا كلّه، يُقال إني بوجوده أبحث عن بديل!
حاشا وكلا.
فقد علم، وأنا قبله أعلم،
أن عيني لم تَرَ صفات الجمال إلا في وجه الحبيب، ولم تأخذ مظاهر الرجولة إلا منه، ولم يكتمل الحديث عنها إلا عند ذكره.
فحفظه الله أينما حلّ وارتحل، وجعل له في الفردوس الأعلى مكانًا ومنزلةً.
وما إن انتهت من قولها ذاك، حتى نهضت فتاةٌ ممشوقةُ القوام، كحيلةُ الطرف، وضّاءةُ الجبين، صغيرةُ الثغر، وقالت وهي تقف في آخر المجلس:
«والله... إن كان هذا هو زوجك، لأسعينَّ إليه حتى أفوز به!
فرغم ما أراه من بديع خلق الله فيما أعطاكِ، وما وهبكِ من جمالٍ قلَّ أن يُرى،
بل أكثر من ذلك...
فقد وهبكِ الله عقلًا راجحًا، وبيانًا عذبًا،
ومن ثغركِ - الذي يشابه الكرز لونًا وصِغَرًا واكتمال استدارته - يخرج حديثٌ ساحر، ويتهدّى صوتكِ كلحنٍ شذيٍّ يطرب القلوب قبل الأسماع.
لكنني امرأة... وقد أُوتيتُ من المكر والكيد ما يفوق النساء وشياطينهن قاطبة!»
ثم استدارت إلى نساء المجلس وصاحت:
«استمهلنني... أيامًا تبلغ العام.
فإن حال الحول، فنجتمع حينها؛
فإن لم أكن أنا زوجته... فقد حُقَّ لهذه السيدة أن تكون حكيمتنا،
وليكن حب زوجها لها مثالًا يُروى ويُخلَّد أبد الآبدين.
وبعد عامٍ اجتمع الجمع، والكلّ متشوّقٌ لمعرفة مَن كسب الرهان.
أصحاب القلوب المرهفة تمنّوا أن تفوز الزوجة ليبقى شاهدًا على وفاء الرجال، وأنهم إذا أحبّوا لم يخونوا أو يغدروا، وأن المرأة تستطيع أن تصدّق أن قلب الرجل في الحب لا يتّسع إلا لواحدة.
أمّا العقلانيّون فقد أرادوا أن تفوز الفتاة ليثبتوا أن الحبّ وتراهاته ما هي إلا أضغاثُ أحلامٍ.
ولكن الفتاة نهضت نهوضَ القائد المغلوب، وبدأت تقول:
أيّها الجمع...
لقد فارقتُكم وأنا عازمة على الفوز لا محالة.
فبحثتُ عن منزل هذه السيدة، وبحثتُ عن زوجها، وسعيتُ لمقابلته، ولقد صُدمتُ عندما شاهدته.
فلم يكن مثلما وصفته؛ فقد كان مربوعَ القامة، صغيرَ العينين، حادَّ النظر، قد لوّحت الشمسُ بشرته فاختلط بياضها بسواد، وخشنت يداه من العمل.
وإن كان قد بدا اهتمام زوجته به واضحا، فزاد وزنه وحسن هندامه.
فقلتُ في نفسي: إنها عينُ الحبّ عمياء -وأيقنتُ من حبّها لزوجها- ولكن إن كانت عينُ الحبّ قد دفعتها لوصف زوجها بذلك الجمال، فإن أخلاقه وحسنَ تعامله وجميلَ حبّه قد صدّقتْ به لا محالة.
فخفَّت نظرةُ الازدراء في داخلي، ومضيتُ أسأل عنه في عمله ومن له قرابةٌ به، فلم يصفوه كما وصفته هي، ولم يكن صاحبَ مالٍ ولا سلطان.
وعلمتُ أنها قد أسرفت في الحبّ والعشق؛ فأيُّ امرأةٍ بجمالها ذاك كان لا بد أن تحظى برجل أفضل منه ذا شأن ومكانٍ رفيع.
فقلّ حماسي.
ولكني تذكّرتُ ذلك التحدّي، فقلت: لا بدّ أن أُفرّق بينهما، وإن كانت نفسي لا ترضى به زوجًا بصفاته تلك.
وبالفعل... وما زلتُ به أغويه بحيل كثيرة، فلم أجِد منه إلا التقرّب وعدم الممانعة، وطلبتُ منه أن يطلّق زوجته، فأجاب بالقبول.
وها هي الآن بين أيديكنّ مطلّقة!
وقد يتراءى لكنّ أني قد هُزمت، ولكني فعلتُ بها ما وعدتكنّ، لكني لم أستطع أن أفعل بنفسي من الظلم ما وعدتكنّ به.
هنا نظر الجميع إلى الزوجة الحسناء بعين الشفقة.
ولكن الزوجة نظرت إليهن نظرة المنتصر وقالت:
بل لقد هُزمتِ... فما زلتُ زوجته وحبيبته.
فاستدارت الفتاة إليها استدارةَ المخدوع المقهور، وقالت: كيف؟
فردّت عليها:
بعد أن غادرتِ هذا المكان، خشيتُ على زوجي، وأيقنتُ بعظيم تهوّري وخطئي في الحديث عن حياتي وسعادتي؛ فتلك النعمة من النِّعَم التي تدوم بالكتمان لا بالحديث والإظهار، وعلى الرجال والنساء ألّا يتحدّثوا عنها فيخسروها.
فعقدتُ العزم على أمرٍ ما، وتظاهرتُ بالتعب والمرض.
فما كان من زوجي إلا أن خشي عليّ، وحاطني بعنايته ورعايته، وقال لي: ما الذي يحزن حبيبتي ويقضُّ مضجعها؟
فقلتُ له: لقد رأيتُ رؤيا أخافتني وأفزعتني.
فقال: وما هي؟
قلتُ له: لن أقولها لك إلا بعد حولٍ من الآن، ولكن عِدْني وعدًا صادقًا بأمرٍ ما.
فقال: أعهدُك عهدًا لا ينحلّ ولا يتقضّى أن أفعل ما تقولين وما تريدين.
فقلتُ له:
إن سمعتَ من أقربائنا وأصحابنا وجيراننا يومًا أني أُظهر فيك كلَّ قبيح، ولا أثني عليك، فلا تُصدّقهم ولا تُصدّقني، حتى وإن سمعتَ ذلك مني.
وإن مال يومًا قلبُك إلى امرأةٍ ما، وطلبتَ منك طلاقي، فلا تُطلّقني، ولكن أوهمها بذلك؛ فإن أخلصتْ لك الودّ فهنيئًا لك بها، وإن كذبتْ عليك فقد حفظك الله لي.
فوعدني وأوفى بوعده.
وبعدها نشرتُ بين القريب والبعيد... بل إنه يسمعني أحيانًا أذكر فيه ما ليس فيه فيكتم غضبًا... حتى يحين الوقت وأخبره.
وقد صدّقتِ ما أردتُكِ أن تُصدّقيه، وظننتِ بي ما يُظنّ من جنون الحبّ وهذيانه، واحتقرتِ زوجي فلم تتمكّني من الزواج به، وهذا أولُ رهانٍ قد كسبتُه.
وعلمتِ أنك لا ترضين إلا بأن تُفرّقي بيني وبينه، وهذا أقلّ نجاحٍ تسعين إليه.
وبالفعل قد نجحتِ في زعزعة قلبه، ولكنه تذكّر وعده الذي وعدني إياه، فلم يُطلّقني، بل تظاهر بذلك.
فلما خذلتِه أتاني معتذرًا نادمًا، فصفحتُ وعذرتُ، وكسبتُ بذلك جميلًا أحسنتُ به إليه، فنظر إليّ نظرةَ الممتنّ لمن أحسن إليه.
فهتف الجميع: والله إنكِ أحكمُ النساء وأصدقهنّ وُدًّا.
وما إن سكت الجميع، حتى التفتت المرأةُ إلى الفتاة وقالت:
إن الحبَّ يغلبهُ الكيدَ والمكر، ولكن المرأةَ المحبّة يفوق كيدها كيد النساء جميعاً.