رمضان جريدي العنزي
الأجهزة الرقمية ليست شرًّا خالصًا، لكنها تعمل كسمّ بطيء حين تُترك بلا وعي ولا حدود، لا تقتل فجأة، بل تُخدّر الروح بكثرة الضجيج، وتُخدّر العلاقات بالبدائل السهلة، وتُخدّر الفكر بالتشتت المستمر.
الأجهزة الرقمية ليست أدوات، بل أنياب ناعمة، تلتهم الوقت دون صوت، وتمضغ الروح على مهل، تجعل الإنسان حاضرًا جسديًا غائبًا كليًا، يرى ولا يُبصر، يسمع ولا يُصغي، يتكلم دون أن يقول شيئًا، تُعيد تشكيل الدماغ ليكره العمق، ويخاف الصمت، ويهرب من أي فكرة تحتاج صبرًا، ومع كثرة الاستهلاك، يتحول الإنسان إلى كائن مُشتّت، سريع الملل، ضعيف الشعور، يظن نفسه حرًّا وهو مقيد بإشعار، وبطارية، وخوارزمية لا تعرف الرحمة.
إنه انتحار بطيء، مُضاء بشاشة الأجهزة الرقمية لا تسرق الإنسان، بل تُقايضه بنفسه، تعطيه وهم الامتلاء مقابل فراغ داخلي متزايد، تُربّيه على السطح، وتُعاقبه إن حاول الغوص، كل شيء سريع، لامع، قصير النفس، حتى الحزن صار مختصرًا، وحتى الفرح صار قابلًا للتمرير، تُفرغ العلاقات من ثقلها، فتحولها إلى صور، وردود جاهزة، وقلوب افتراضية لا تنبض، ومع الوقت، ينسى الإنسان كيف يكون وحده دون هلع، وكيف يفكر دون تشتيت، وكيف يشعر دون أن يوثّق شعوره، يصبح كائنًا مُدارًا بالإيقاع، مُعاد برمجته ليستهلك، لا ليفهم، ليُشاهد، لا ليعيش.
الأجهزة الرقمية لا تُلهي فقط، بل تُفرغ الإنسان من ثقله الوجودي، تحوّله إلى كائن خفيف حدّ التفاهة، يمرّ على المآسي كما يمرّ على النكات، ويقيس كل شيء بمدى قابليته للمشاركة، تُدرّبه على الاستجابة لا على التأمّل، على ردّ الفعل لا على الفعل، تقتل فيه القدرة على الانتظار، لأن الانتظار بلا شاشة صار عذابًا، وتقتل فيه الجرأة على التفكير، لأن الفكرة التي لا تُكافَأ فورًا بالإعجاب تُعدّ فاشلة، تُحوّل الذاكرة إلى أرشيف خارجي، والعقل إلى ممرّ إعلانات، والقلب إلى مستقبل إشعارات، ومع الزمن، لا يعود الإنسان يعرف إن كان يشعر حقًا، أم فقط يُقلّد الشعور كما رآه على الشاشة، إنها ليست حضارة اتصال، بل حضارة استنزاف، تترك الإنسان متعبًا، فارغًا، متهالكًا، ومقتنعًا أن هذا هو الطبيعي.
الأجهزة الرقمية ليست انحرافًا عابرًا، بل تشويه منهجي للإنسان، مصنع ضخم لإنتاج كائنات بلا جذور، بلا ذاكرة حيّة، بلا قدرة على الاحتمال، تُكسِّر العمود الفقري للانتباه، ثم تطلب من العقل أن يقف منتصبًا، تُعلِّم الإنسان أن يهرب من أي ألم بدل أن يفهمه، وأن يستهلك المعنى بدل أن يصنعه، تقتل الخيال لأنها تقدّم كل شيء جاهزًا، وتقتل الحكمة لأنها تكره البطء، و تجعل الإنسان عبدًا لشيء يحمله في جيبه، ويتباهى بعبوديته كأنها تطور.