د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
يعتبر الذهب ملاذاً آمناً يزداد الطلب عليه في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والجيوسياسي، تشتري البنوك المركزية كميات ضخمة للحفاظ على احتياطياتها، مما يدعم الأسعار، يعمل كأصل يحافظ على القيمة على المدى الطويل وليس الهدف تحقيق الأرباح السريعة.
قفزت أسعار الذهب بنسبة 64 % في عام 2025، حيث ارتفع من 3500 دولار للأوقية في 2 فبراير 2025 إلى 5500 دولار للأوقية في 29 يناير 2026، عقب قرار الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة، وهو ما عزز توجه المستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن في ظل الضغوط التي تعرض لها الدولار، إلى جانب استمرار قوة الطلب العالمي لا سيما من البنوك المركزية والمستثمرين، مما يجعل الشراء بهدف البيع السريع مضاربة محفوفة بالمخاطر، وللاستثمار طويل الأجل الشراء بشكل دوري بغض النظر عن السعر لتكوين متوسط تكلفة منخفض، على عكس المضارب الذي يتجنب الشراء عند القمم التاريخية، ويفضل الشراء بعد تراجعات كبيرة.
هبوط الذهب بعد مرحلة توترات جيوسياسية أتت بعد تصريحات الرئيس ترمب حول المفاوضات مع إيران، وتعيين محافظ جديد للفيدرالي كيفن وارش محافظا جديدا للفيدرالي خلفا لجيروم بأول، وتعد نظرة وارش الصارمة تجاه التضخم عاملا مؤثرا في توقعات الأسواق، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم في الذهب، أثرت على الأسواق، وأدت إلى انهيار الذهب بقوة، وتسجيل أكبر انهيار منذ 1983 بتراجع بأكثر من 12 % من قيمتها في نهاية يناير 2026، كما تراجعت عقود الفضة الفورية بنسبة تقارب 32 % لتصل إلى 78.50 دولارا للأوقية، بعد موجة صعود قوية سجلت للذهب مستويات 5600 دولار للأوقية فيما تراجع إلى 4800 دولار وسط موجة جني أرباح سريعة من المستثمرين الذين فضلوا تأمين مكاسبهم، ما أدى إلى ضغط بيعي قوي في أسواق المعادن النفيسة، ما يعكس تأثير التحركات الاقتصادية والسياسية على المعادن النفيسة.
يظل الذهب محور متابعة المستثمرين كأداة للتحوط والاستثمار طويل الأجل، حيث يمثل المعدن النفيس الملاذ الآمن أمام التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، ولا يزال الذهب أصلا ماليا هاما للدول والبنوك المركزية، فهو يوفر تحوطا ضد القروض الحكومية، ويعد مؤشرا على صحة الاقتصاد، مما يجعله عنصرا استراتيجيا في الاحتياطيات الوطنية.
جعلت اتفاقية بريتون وودز عام 1944 الدولار الأمريكي العملة العالمية الرسمية، ودعمت هذه القيمة بتحديد سعر الذهب عند 35 دولارا للأونصة، لكن شهد عام 1968 ارتفاعا كبيرا في الطلب على الذهب، مما أدى إلى الغاء الكونغرس الأمريكي شرط تغطية أوراق الاحتياطي الفيدرالي بالذهب، وفي 1971 أعلن الرئيس الأمريكي نيكسون أن الولايات المتحدة لن تحول الدولارات إلى ذهب بالسعر الرسمي للصرف، وسبق لبريطانيا في 1931 ان علقت العمل بمعيار الذهب، مما جعل الولايات المتحدة وفرنسا تمتلكان احتياطيات كبيرة من الذهب، بمفردها الولايات المتحدة تمتلك 75 % من احتياطيات الذهب في العالم، وكان الدولار العملة الوحيدة المرتبطة بالذهب بشكل مباشر، وعندما وجدت الولايات المتحدة انهيار مجمع الذهب في 1968 وبدأت بلجيكا وهولندا بتحويل دولاراتهما إلى ذهب، وأبدت ألمانيا وفرنسا نوايا مماثلة، مما أجبر نيكسون على اتخاذ إجراء وأغلق نافذة الذهب، بهذا الفك مكن الحكومات من تحويل احتياطياتها من الذهب إلى الدولارات الأمريكية، وأصبح الدولار الأمريكي العملة الاحتياطية المهيمنة، ودخل العالم عصر العملات الورقية المقومة بالدولار، وفرت أداة مرنة للاقتصادات الحديثة.
بلغ سعر الدولار للأونصة من الذهب عام 1972 نحو 35 دولار وصل إلى 183 دولارا في 1974 بسبب الركود التضخمي طويل الأمد، والأزمات الاقتصادية والمالية والارتفاع السريع في أسعار النفط وحرب أكتوبر في الشرق الأوسط في حالة من الذعر وتهافت على شراء الذهب.
وفي عام 1979 اندلعت ثورة الخميني دفعت أسعار الذهب إلى مستويات قياسية بلغت 678 دولارا للأونصة في يناير 1980، وتفاعلت أسعار الذهب مع معدلات التضخم فارتفعت لمستويات قياسية، وصنعت قمما تاريخية، ما زالت تعتبر حجر الزاوية في الدراسات المتعلقة بعلاقة التضخم بالذهب حتى الآن، بسبب أن محاولة الولايات المتحدة فك ارتباط الدولار بالذهب بقرار سياسي إلا ان علاقة الدولار بالذهب الاقتصادية ظلت علاقة وثيقة، ولا يزال الدولار هو عملة تسعير الذهب، فارتفاع الذهب يعني انخفاض الدولار والعكس.
ما جعل البنوك المركزية تضاعف احتياطياتها بالذهب بعد الأزمة المالية عام 2007 بالتزامن مع ضعف قوة الدولار، وبلغ صافي مشتريات البنوك المركزية في عام 2025 نحو 863 طنا، يمثل الذهب كأصل احتياطي أساسي، وتمتلك الولايات المتحدة خمس إجمالي الذهب العالمي بنحو 8133.64 طنا، تليها ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، وكانت فرنسا الأكثر جرأة المطالبة بإعادة النظر في الدولار كعملة صرف عالمية.
كانت أحدث محطة في عملة الدولار الأزمة المالية العالمية في 2007-2008 والناجمة عن انهيار بنوك نتيجة فقاعة المشتقات المالية الوهمية في الأسواق، خصوصا المرتبطة بالرهن العقاري الأمريكي، بدأت الدول تخفض من احتياطياتها من الدولار وبعدما كان يمثل ثلاثة أرباع تلك الاحتياطيات العالمية أصبح يمثل الآن أقل من نصف تلك الاحتياطيات النقدية، ويستحوذ اليورو على ربع تلك الاحتياطيات لدى البنوك المركزية عالميا، وبعد 50 عاما من صدمة نيكسون أمريكا تدرس إعادة ربط الدولار بالذهب، في وقت تواجه فيه أمريكا تهديدات مزدوجة تتمثل في التضخم وتعثر البنوك، والهدف من إعادة الربط بالذهب إعادة الاستقرار للدولار للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى بمكة