حمد عبد العزيز الكنتي
في الأيام الماضية عشنا ليالي عظيمة في موسم الرياض مع الفنان الكبير راشد الماجد، الذي عاد بقوة بعد غياب طويل عن الحفلات، ليُحيي في العاصمة الرياض ليالي خالدة أبهجت الجميع، وأعادت ترتيب الفرح في قلوب جمهورٍ يعرف جيدًا كيف ينتظر نجمه، وكيف يحتفي به حين يعود، حيث لم تكن تلك الحفلات مجرد أمسيات غنائية، بل كانت لحظات استثنائية امتزج فيها الصوت بالذاكرة، والحنين بالحاضر، حتى بدا وكأن الزمن نفسه يصفّق مع الجمهور في الحفلات ومن خلف الشاشات وعبر المنصات.
ونشكر معالي المستشار تركي آل الشيخ على جهوده في موسم الرياض، تلك الجهود التي نرى عظيم أثرها عامًا بعد عام، حتى أصبح هذا الموسم واجهة عالمية وعلامةً تجارية سعودية متألقة، جعلت الملايين يفدون إلى الرياض لقضاء أجمل الأوقات في فعالياتٍ نابضة بالحياة، استطاعت أن تلبّي رغبات الجميع وتخاطب مختلف الأذواق، وتؤكد أن الفرح حين يُصنع بإتقان يصبح جزءًا من هوية المكان.
وقصتنا مع راشد الماجد قصة طويلة لا يمكن اختصارها، لأنها ببساطة تشبه أعمارنا.. بدأت منذ الطفولة، حين كنا في مرحلة الابتدائية اكتشفنا العالم عبر صوته، فرددنا ببراءة: (المسافر راح، وشرطان الذهب، ويا ناسينا، ولي بنت عم، والله كريم ورجاوي)، وكانت تلك الأغاني أول مفاتيحنا نحو الإحساس بالجمال، وأول درسٍ غير مباشر في أن الصوت قد يكون بيتًا نسكنه في عقلنا ألا واعي.
ثم دخلنا المرحلة المتوسطة، وبدأت مشاعرنا تنضج قليلًا، لنغني معه (ويلي، ومشكلني، وغير الناس، وتحدوه البشر)، وكأننا نتدرّب على التعبير عن أنفسنا عبر حنجرته، ونستعير صوته لنعبّر عن الشغف الذي يسكننا.
وفي الثانوية -حينما أصبحت عواطفنا أكثر حضورًا - ترنمنا مع الرفاق على أغاني: (الهدايا، والعيون، وتوصي شيء، ولك بعد عين، وما اتصلتي، ومن يقول، وسلامات، والحل الصعب، ونسيناكم، وعلمني، وتجرحي، وجاني حبيبي، وسلام عليهم)
وحين دخلنا الجامعة، غنينا معه (اسمعك، وآه منك منقهر، واللي لقا أحبابه، وأجيبه، ونور عيني، وكثر السنين، وويلاه، وادع عليّ بالموت، وحبيبي نعترف)، لتكون تلك المرحلة أشبه بمرآةٍ كبرى نرى فيها انعكاس صوت راشد على طموحاتنا وأحلامنا، يغني بالنيابة عنا ليهدئ ارتباك البدايات.
وأدمنا الاستماع باستمتاع لأبو طلال، وهو يقدم لنا الألبومات الغنائية ويحيي الحفلات في المملكة وكافة أنحاء العالم، فعشنا معه لحظاتٍ لا تُنسى عبر أغانيه المنفردة التي أكثر منها لسنوات، قبل أن يطلق في عام 2024 ألبومه الجديد (استحالة) بعد غيابٍ زاد على عشر سنوات، كانت مليئة بأغاني «السنقل» مثل: (عظيم إحساسي، وتلمست لك عذر، وسيدة عمري، وولهان، وكذاب، وبترجعين، وعطاشى، وغمضت عيني، وأكثر شخص بالدنيا، وكثر كل شيء واحشني، وما فيه أحد)، وهذا قليلٌ من كثير؛ فهناك الأغاني التي شارك فيها فنانين آخرين، مؤكّدًا في كل مرة اتساع تجربته وجماليات صوته، وحضوره الكبير والمؤثر في ذاكرة السعوديين.
فمن يستمع إلى أغاني راشد الماجد لا يسمع لحنًا فحسب، بل يستدعي عمرًا كاملًا؛ يتذكر عبره الطفولة في مطلع التسعينيات، أو المراهقة في مطلع الألفية الجديدة، أو سنوات بعثرة الشباب وحيرة مقتبل العمر ثم تمضي المسيرة، ليتسلل صوته إلى مراحل النضج، ويبقى أبو طلال رفيقًا وفيًا لكل تحولات الحياة.
ولتبقى رائعة البدر رحمه الله (المسافر راح) أغنيةً خالدة في ذاكرتنا جميعًا، تذكّر كل واحدٍ منا بلحظاتٍ خاصة كان فيها معنى السفر مختلفًا؛ رحيلٌ مؤقت، أو موتٌ مفاجئ، أو فراقٌ نهائي، أو تباعدٌ مقصود.. وغيرها من اللحظات التي فاتنا فيها قطار الوداع بكل ما فيه من وجعٍ وحسرة على بعض الراحلين.
لقد أصبح راشد الماجد ذاكرتنا الحيّة التي تعيد إلينا جميع محطات حياتنا؛ يعيد الماضي كذكريات، بعضها خالٍ من أصحابه، وبعضها فارغٌ من مشاعره، وما بين هذا وذاك، يوقظ فينا الحنين إلى أزمنةٍ قديمة، ويحيي تفاصيل ظننا أنها غابت: أصوات، وملامح، وروائح، ومشاهد تعود إلينا كما لو أنها تُعرض بالكاميرا البطيئة، لنتمعّن في جمالها مرةً أخرى على صوته المميز، ونغمات أغانيه الخالدة.
وما يزال الأمل كبيرًا في أبو طلال ليقدّم لنا أغاني أخرى تعيش طويلًا مثل: (المسافر، ورجاوي، والهدايا، والحل الصعب، وشرطان الذهب، وأكثر شخص بالدنيا)، وغيرها من الأعمال التي تشعر بأنها مُفصّلة على صوته، ومواكبة لخامة حنجرته وأسلوب أدائه.
وعلى العكس من ذلك، هناك أغانٍ لم يشعر الجمهور بأنها عانقت صوته كما ينبغي، إذ يدرك محبوه دائمًا أن لدى راشد ما هو أجمل بكثير، متى ما وجد الكلمة التي تشبهه، واللحن الذي يفهم ذلك السندباد الذي جاب بحنجرته الرائعة والمؤثرة فضاءات الأغنية السعودية والخليجية والعربية.
ويبقى راشد الماجد أكثر من كونه فنانا إلى شخص يتكثف في صوته الزمن الذي كلما ظننا أنه مضى وانقضى بمشاهده وذكرياته عاد من جديد عبر صوت السندباد، ليؤكد لنا أنه جزء من ذاكرتنا، وعنصر لا نتخلى عنه في ذكرياتنا، ومتعة ترافقنا أينما حللنا وارتحلنا، مؤكداً أنه فنان أقنع بفنه كافة الأجيال الذين يلهمهم حضوره الطاغي، ويبهجهم صوته الفريد.. ودائماً سنردد معاً شكراً راشد الماجد.